الشراكة والتكامل الإقليمي: دروس من اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية في باكو لقطاع المياه والتنمية

د. عمار أبكر عبد الله
اختتمت مجموعة البنك الإسلامي للتنمية اجتماعاتها السنوية لعام 2026 التي استضافتها مدينة باكو بجمهورية أذربيجان خلال الفترة من 16 إلى 19 يونيو 2026 تحت شعار “التكامل الإقليمي من أجل الازدهار المستدام”… بمشاركة واسعة من الوزراء ومحافظي البنك وممثلي المؤسسات المالية والتنموية الإقليمية والدولية والقطاع الخاص ومنظمات التنمية.
وشهدت الاجتماعات حضوراً لافتاً ضم أكثر من 4,400 مشارك من 78 دولة، إلى جانب 46 رئيس مؤسسة وهيئة دولية وإقليمية، وتنظيم 32 اجتماعاً رفيع المستوى وفعالية لتبادل المعرفة والخبرات. كما أُعلن في ختام الاجتماعات عن توقيع 67 اتفاقية تنموية بقيمة إجمالية بلغت 6 مليارات دولار أمريكي، بالإضافة إلى اعتماد 2.8 مليار دولار أمريكي لتمويل تسعة مشروعات تنموية جديدة في عدد من الدول الأعضاء.
في عالم تتزايد فيه التحديات العابرة للحدود، من تغير المناخ والأمن الغذائي إلى ندرة المياه والهجرة والنزاعات، تبرز أهمية الشراكة والتكامل الإقليمي كخيار استراتيجي وليس مجرد شعار سياسي أو تنموي. وقد حملت اجتماعات باكو رسائل مهمة في هذا الاتجاه، تؤكد أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن التعاون بين الدول والمؤسسات والشعوب.
ولعل أحد أبرز الدروس المستفادة من هذه الاجتماعات هو أن الاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية لم يعد يُنظر إليه باعتباره مسؤولية وطنية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة إقليمية ودولية مترابطة تسعى إلى تعزيز الاستقرار والازدهار المشترك. ويظهر ذلك بوضوح في مشاركة عدد من المنظمات الإقليمية والمؤسسات المتخصصة في مجالات المياه والتنمية، مثل الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD) والمعهد التركي للمياه (SUEN)، إلى جانب المؤسسات المالية والتنموية الدولية.
ومن منظور قطاع المياه، فإن الرسالة تبدو أكثر وضوحاً. فقد أظهرت البيانات التي عرضها البنك الإسلامي للتنمية أن قطاع المياه والإصحاح والخدمات الحضرية استحوذ على نحو 20% من محفظة التمويل القطاعية للبنك، ليأتي في المرتبة الثانية بعد قطاع النقل. وهذا يعكس إدراكاً متزايداً بأن المياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل هي ركيزة للصحة العامة والتنمية الاقتصادية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
كما شهدت الاجتماعات الإعلان عن عدد من المشروعات المرتبطة بالبنية التحتية والموارد المائية والزراعة، من بينها مشروع إعادة تأهيل قناة قره باغ للري في أذربيجان بقيمة 436 مليون دولار أمريكي، وهو مشروع يستهدف تعزيز الأمن المائي والإنتاج الزراعي وتحسين سبل العيش في المناطق المستفيدة. ويعكس هذا التوجه العلاقة الوثيقة بين المياه والزراعة والتنمية الاقتصادية في أجندة البنك المستقبلية.
إن تجربة الأحواض النهرية المشتركة حول العالم، بما في ذلك حوض النيل، تؤكد أن إدارة المياه لم تعد قضية هندسية أو فنية فقط …. بل أصبحت قضية تعاون إقليمي ودبلوماسية تنموية تتطلب بناء الثقة وتبادل المعلومات وتنسيق السياسات والاستثمارات. فالتحديات المرتبطة بالمياه لا تعترف بالحدود السياسية، كما أن آثارها تمتد إلى قطاعات الزراعة والطاقة والصحة والبيئة.
وبالنسبة للسودان … فإن هذه الرسائل تحمل أهمية خاصة في هذه المرحلة التي تتطلب إعادة البناء والتعافي الاقتصادي والمؤسسي. وقد عبّر معالي الدكتور جبريل إبراهيم محمد، وزير المالية والتخطيط الاقتصادي ومحافظ السودان لدى البنك الإسلامي للتنمية … عن هذا المعنى عندما أكد أن السودان يؤمن بأن التكامل الإقليمي يمثل أساساً لتحقيق الازدهار والقدرة على الصمود، وأن البنك الإسلامي للتنمية يظل شريكاً مهماً في تعزيز الترابط الاقتصادي والاستثمار المستدام بين الدول الأعضاء.
فالمياه يمكن أن تكون نقطة انطلاق حقيقية نحو التنمية المستدامة إذا ما تم توجيه الاستثمارات نحو إعادة تأهيل البنية التحتية لمياه الشرب، وتطوير أنظمة الري، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية العاملة في هذا القطاع. كما أن الاستفادة من الشراكات الإقليمية والدولية تمثل فرصة مهمة للسودان لتعزيز قدراته الفنية والمؤسسية، وجذب التمويل اللازم للمشروعات ذات الأولوية، والاستفادة من الخبرات والتجارب الناجحة في الدول الأخرى. فالتنمية الحديثة تقوم على تبادل المعرفة والخبرات بقدر ما تقوم على توفير الموارد المالية.
وفي كلمته الختامية، أكد معالي الدكتور محمد الجاسر، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، أن اجتماعات باكو تمثل بداية مرحلة جديدة من الانتقال “من الحوار إلى التنفيذ” ضمن الإطار الاستراتيجي للبنك للفترة 2026–2035، مشيراً إلى أن الهدف النهائي للتنمية يتمثل في تحسين حياة الناس وتوفير الخدمات والفرص وتعزيز الكرامة والأمل للمجتمعات. إن ما شهدته باكو هذا العام يؤكد أن مستقبل التنمية في منطقتنا سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول على بناء شراكات فاعلة وتطوير آليات للتعاون الإقليمي تتجاوز التحديات السياسية والاقتصادية الآنية. وفي قطاع المياه على وجه الخصوص، فإن التعاون ليس خياراً إضافياً، بل ضرورة لتحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة للأجيال القادمة.
ويبقى الدرس الأهم من اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية لعام 2026 أن الاستثمار في المياه، والبنية التحتية، والزراعة، والصرف الصحي، وتعزيز الشراكات الإقليمية، ليست مسارات منفصلة … بل عناصر مترابطة في معادلة واحدة هدفها تحقيق التنمية والاستقرار والازدهار المشترك. فعندما تتكامل الرؤى وتتشارك الدول الموارد والخبرات، تصبح المياه جسراً للتعاون والتنمية، لا سبباً للتنافس والانقسام.



