رأي

الحوار السوداني الذي ينتظره السودانيون و العالم

 

محمود حسين سري

في عام 1974 نشر الرئيس محمد أنور السادات بعد حرب أكتوبر ورقة سياسية شارك في إعدداها عدد من المفكرين المصريين. أطلق على هذه الورقة “ورقة أكتوبر” وقامت الدولة المصرية وقتها بشرحها وتنظيم عملية استفتاء حولها. الورقة كانت مشروع وطني مدة تنفيذه 25 سنة مهمته نقل مصر من دولة الحرب إلى دولة السلام القوية سياسيا وعسكريا وأمنيا واقتصاديا وخارجيا و اجتماعيا وثقافيا. وبالرغم من أن الورقة اليوم سقطت في دائرة النسيان والنفاذ والانقضاء إلا أن من يقرأ تلك الورقة يجد أنها تشكل أساسيات وأصول شكل الدولة المصرية اليوم.

منذ أن شهد السودان أحداث 25 أكتوبر 2021، ترددت القوات المسلحة السودانية، المؤسسة الوطنية، بضغوط إقليمية ودولية، في تعيين حكومة مدنية ومجلس انتقالي يقود إلى إنتخابات حرة ونزيهة في البلاد. هذا التردد والحيرة والتلكؤ قاد لاحقاً إلى تدخلات دولية واسعة من خلال مشروع الاتفاق الإطاري الذي قادته بعثة الأمم المتحدة برئاسة فولكر بيرتس المبعوث الأممي السابق والذى أدت جهوده المسمومة إلى تفجر حرب واسعة في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

الآن وبعد ثلاث سنوات من الحرب يحاول المجتمع الدولي والإقليمي، من خلال الرباعية تارة ومن خلال الخماسية تارة أخرى ومن خلال المؤتمرات التي تعقد في عواصم أوروبا، صياغة مشروع جديد للسودان بعد الحرب.

بعد تعيين كامل إدريس رئيساً لوزراء حكومة السودان أطلق مبادرة رسمية لعقد حوار وطني شامل. تهدف المبادرة إلى جمع الفرقاء السياسيين لإنهاء الأزمة السودانية وتمهيد الطريق لانتخابات حرة ونزيهة مراقبة دولياً. وقد تحدث المسؤولون السودانيون في مناسبات عديدة عن أبرز ملامح وتفاصيل مبادرة الحوار الوطني التي يقودها د. كامل إدريس وعن شمولية العملية السياسية المتوقعة وأنها لن تقتصر على النخب السياسية، بل ستشمل كافة قطاعات الشعب دون إقصاء لأي طرف.

كما تحدث المسؤولون السودانيون عن الحوار الوطني الشامل المزمع عقده بأنه سيمهد الطريق نحو المسار الديمقراطي و التوافق الوطني والذى سيقود إلى تنظيم الانتخابات العامة في البلاد و تسهيل عودة المعارضين السودانيين المتواجدين في الخارج. وقد أصدر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان توجيهات بتجديد وثائق وجوازات بعض قيادات المعارضة السودانية لتيسير مشاركتهم و أوضح رئيس الوزراء أن جلسات الحوار قد تنطلق من العاصمة الخرطوم أو أي مدينة سودانية أخرى لتأكيد الطابع الوطني الداخلي للعملية السياسية، ولكن منذ ذلك الوقت لم يسمع العالم عن أي خطوات ملموسة أو واضحة أو فعلية على الأرض تؤكد الاتجاه في طريق الحوار الوطني الشامل.

و على نحو متوازي ولسد الفراغ في مؤسسات الدولة الدستورية أقرّ المجلس التشريعي المؤقت في فبراير 2025 تعديلات على الوثيقة الدستورية، نصت على تشكيل “المجلس التشريعي الانتقالي”. وبحسب الوثيقة المعدلة، يشكّل المجلس الجديد سلطة تشريعية مستقلة، تضمن تمثيل أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى، مع مشاركة فاعلة للنساء، على أن لا يزيد عدد أعضائه على 300 عضو. وحددت الوثيقة مهام واختصاصات المجلس التشريعي الانتقالى المتوقع. وقال نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، إن الحرب ذاهبة إلى نهاياتها وستعقبها معركة التنمية والتعمير والمصالحات المجتمعية لإصلاح ما علق بالنفوس وإزالة الغبن وما حدث من تجاوزات بالمناطق التي تأثرت بالحرب. وفي السياق ذاته، قال رئيس مجلس الوزراء السوداني، كامل إدريس، إن مجلسه ركز في أول اجتماعاته منذ تكوينه على قضية اطلاق الحوار “السوداني-السوداني الذي لا يستثني أحدا، وإعادة الاستشفاء الوطني، وتعزيز علاقات البلاد الخارجية عبر الدبلوماسية الرسمية والشعبية”. وصرح سياسيون سودانيون أن اللجنة السياسية في مجلس السيادة التي تضم أعضاء المجلس شمس الدين كباشي وياسر العطا وعبد الله يحيى، أجرت مشاورات مع قوى سياسية ومجتمعية بشأن تشكيل المجلس التشريعي. وأشاروا أن المشاورات تناولت معايير تمثيل القوى السياسية في البرلمان الانتقالى المتوقع، وما إذا كان الاعتماد سيتم على الأحزاب المسجلة وفق قانون الأحزاب أم غيرها، إضافة إلى بحث مشاركة الكتل أو الأحزاب، وتحديد المقصود بمصطلح القوى الوطنية الوارد في الوثيقة الدستورية. وبالرغم من هذه التطورات المهمة التي تابعها السودانيون والعالم لم يتم ترجمة نتائج هذه الحوارات والمشاورات والاقتراحات والتعديلات إلى تطورات ملموسة على الأرض.

إن تأخر وبطء وتمهل مؤسسات الدولة السودانية في طرح حل سياسي للحرب في السودان يقود الدول في الإقليم والمجتمع الدولي للدخول بمبادرات لجمع الفرقاء السياسيين والمكونات المدنية السودانية للتوافق لعقد حوار “سوداني – سوداني” شامل يدار من الخارج لتشكيل قيادة مدنية وإطلاق عملية سياسية شاملة لتحقيق سلام مستدام. وقد أبدت عدد من القوى السياسية السودانية والدولة السودانية والقوات المسلحة السودانية بشكل مباشر أو غير مباشر رفضها او تحفظها الشديد على منهجية إدارة العملية السياسية ومحاولات مساواة مؤسسات الدولة الشرعية بقوات الدعم السريع من قبل المبادرات الدولية والاقليمية التي تحاول تحقيق مصالحها وليس مصلحة السودان الوطنية. ولكن ماقيمة الرفض إذا لم تطرح الدولة السودانية الحل أو البديل.

إن أسباب رفض القوى الوطنية للمبادرات الدولية في الحوار السوداني مفهومة وصحيحة. فالمجتمع الدولي يسعى سعياً حثيثاً في شرعنة قوات الدعم السريع والقوى السياسية الموالية له حيث ترفض الحكومة السودانية والقوى الوطنية منح أي امتيازات سياسية أو أدوار مستقبلية لقوات الدعم السريع، كما أن القوى الدولية تحاول دائما التأكيد والزج وطرح فكرة المساواة بين الدولة الشرعية والمليشيا المتمردة وهو أمر غير منطقي وغير منصف. فكيف لدولة أن تقبل بمبادرة وطنية تساوى بين دولة ومؤسسات شرعية و مليشيا متمردة متورطة في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين والبنية التحتية.

ويضاف إلى قائمة الرفض من الدولة السودانية محاولة المبادرات الدولية في إغراق العملية السياسية حيث تصر بعض القوى الإقليمية والدولية على إشراك أطراف وقوى جديدة ومشبوهة في المشاورات دون معايير واضحة بهدف تمييع مواقف الدولة الوطنية واستخدام هذه القوى الجديدة لإعادة إنتاج الاتفاق الاطاري الذي انتجه فولكر الذي أشعل الحرب ولكن في نسخة جديدة. كما تصر وتضغط وتحاصر وتشدد المبادرات الدولية على الحكومة السودانية بضرورة الدمج بين المسارات الأمنية والعسكرية والسياسية والمدنية و الإنسانية لتحقيق أكبر تدخل إقليمي ودولي في تشكيل مستقبل السودان.

الواضح والظاهر والبين والجلي فيما سبق أن المجتمع الدولي والاقليمي لن يتوقف ولن يتراخى ولن يتباطأ في طرح مبادرة تلو المبادرة والاجتماع تلو الاجتماع ليتحدث عن تسوية جديدة للأزمة السياسية السودانية مادام هناك بُطء و تباطؤ من القوى الوطنية في داخل السودان ومن الحكومة السودانية في تقديم رؤيتها للحل وتصور سلمي للتسوية ووجهة نظر مقبولة للسودانيين والعالم وخطة تنفذ على الأرض لتسوية الصراع والحرب سياسياً وسلمياً حيث دخلت الحرب في السودان عامها الرابع وقضت على الأخضر واليابس وأصبحت على لسان القوى الدولية تهدد الأمن الإقليمي.

إن تجاوز ما تطرحه المؤتمرات الدولية والاجتماعات الإقليمية حول السودان، الذي أصبح يخطط له العالم كيف يكون وكيف يصبح وكيف يسير، يتمثل في أن تقود الدولة السودانية الحل من الداخل بشكل حثيث وعلى عجل للحفاظ على وحدة وسلامة وسيادة السودان كورقة أكتوبر المصرية التى أشرنا إليها في مقدمة المقال.

إن كل الأوراق المطروحة دوليا واقليميا تجتمع على أساسيات ومبادئ و تصورات واضحة يمكن تلخيصها في خمس موجهات يمكن أن يقبل بها الشعب السوداني والمجتمع الدولي للحفاظ على الدولة الوطنية في السودان.

أولها دمج كل المليشيات في جيش وطنى واحد، فالشعب السودانى طفح المر وتجاوز الحد في التحمل من تجربة قوات الدعم السريع و لايريد لأي حركة أو مليشيا أخرى أن تبقى خارج الجيش حتى لو شاركت مع القوات المسلحة السودانية في معركة الكرامة ووقفت في الموقف و المكان الصحيح من التاريخ. الحل في السودان يكمن في دولة يحميها الجيش الوطنى السوداني وليس دولة المليشات والحركات المسلحة.

ثاني التصورات هو ضرورة تقوية مؤسسات الدولة الوطنية وأن لا تسيطر عليها أي قوى سياسية أو أيدلوجية معينة أو حركات مسلحة وأن يكون القائمون عليها معينين على أساس الوطنية والاحترافية والمهنية والتخصصية. فالحرب فى السودان أضعفت كل المؤسسات في الدولة وعطلتها وأفقدتها هيبتها وقوتها ووقارها واحترامها ومكانتها.

ثالث الحلول التي يجب أن تطرحها أي ورقة للحوار السوداني هي وجود إصلاحات اقتصادية عميقة. فدعونا نتفق أن الحرب والتكالب الدولي والاقليمي على السودان هو يستهدف موارد ومقدرات وامكانيات هذا البلد.

رابع الاولويات التى يجب ان تطرحها أي ورقة للحل السوداني الوطني هي معالجة الفوضى السياسية والتشرذم والقطبية المدنية السياسية. وهى الورقة الأهم والتي تحاول كل الأطراف السياسية المدنية غض النظر عنها. فالقسم الأكبر من الأحزاب والقوى السياسية لا وزن لها و تعيش على المنهج القديم وهو السيطرة على السلطة بالسلاح كالحركات المسلحة أو بالدين كالقوى اليمينية أو بالايدلوجيات كالقوى اليسارية أو بالقبلية والطائفية كالأحزاب التقليدية والأحزاب الكرتونية والتجمعات السياسية المدنية التى تعيش على تدخلات الخارج والاستقواء بالأجنبي لتحقيق مصالح شخصية و تخدم في أجندات بوعي أو بجهالة قوى إقليمية ودولية.

خامس الأولويات التي يجب أن تطرحها ورقة اكتوبر السودانية هى مكافحة الفساد السياسي والمالى والاخلاقي والادإداري وتهريب الموارد والثروات الوطنية وملف إدارة المساعدات الانسانية الذي ضرب السودان خلال الثلاثين سنة الماضية والذي تتربح منه قوى خارجية ومحلية.
إن الافلات من العقوبات وغياب المحاسبة والمحسوبية و تعمد صناعة الأزمات والفساد أثقل كاهل المواطنين وأفقد الثقة واليقين والطمأنينة بين الحاكم والمحكوم.

كل هذه الأولويات والمبادئ التي يجب أن تتضمنها ورقة أكتوبر السودانية قادرة على أن تنقل السودان إلى طريق التحول الديمقراطي الذي يحقق السيادة و مصالح السودان الوطنية وإلى نهايات الحكم المدني وإلى عودة الثقة الدولية والشعبية في القيادة السودانية وإلى إغلاق الطريق أمام تشكيل وتكوين وتنظيم وترتيب السودان من الخارج وحماية الدولة الوطنية السودانية ووضع السودان على أول خطوة نحو بناء السودان الحقيقي للسودانيين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى