رأي

سفارات تتحدث إلى نفسها

المُبـر محمـود

الاجتهاد وحده لا يصنع دبلوماسية ناجحة، فالاتجاه الذي يبذل فيه الجهد لا يقل أهمية عن الجهد ذاته. والمتابع لنشاط عدد من بعثاتنا الدبلوماسية في الخارج يصعب عليه التمييز بين ما هو واجب قنصلي وما هو عمل دبلوماسي، وذلك لأن الجانب الأكبر من جهدها يُستهلك داخل الدائرة السودانية؛ لقاءات مع الجالية، واحتفالات وطنية، ومناسبات اجتماعية، وندوات يتحدث فيها السودانيون إلى السودانيين عن السودان، بينما يبقى مجتمع الدولة المضيفة خارج دائرة الأولويات.

الدولة لا تستأجر المباني في العواصم الأجنبية، وترفع أعلامها فوقها، وتنفق الأموال، لكي تشرح مواقف السودان للسودانيين، وإنما لكي تشرحها للعالم، وتدافع عن مصالحه، وتفتح له أبوابًا جديدة في السياسة والاقتصاد والثقافة والمعرفة. ورعاية الجاليات واجب أصيل، لكنها لا تمثل سوى جزء من وظيفة السفارة. أما قلب العمل الدبلوماسي فينبض خارج الجالية، حيث تتشكل الصورة الذهنية عن الدول، وتُبنى التحالفات، وتُصنع الصداقات التي تتحول لاحقًا إلى مواقف وقرارات. ولذلك فإن قيمة السفارة تُقاس بعدد غير السودانيين الذين أصبحوا يعرفون السودان بسبب السفير، وليس بعدد السودانيين الذين يعرفون السفير. وهذا جوهر الفرق بين بعثة تمارس الدبلوماسية، وأخرى تكتفي بإدارة نادي اجتماعي خارج الحدود.

والدبلوماسية المعاصرة في القرن الحادي والعشرين باتت تعمل في عالم مختلف تمامًا عن ذلك الذي صُممت من أجله كثير من مؤسساتنا. فالسياسة الخارجية اليوم تتقاطع مع الاقتصاد، والإعلام، والجامعات، والتكنولوجيا، والهجرة، وحقوق الإنسان، والبيئة، كما تشارك في صناعتها مراكز الدراسات، ووسائل الإعلام، والشركات الكبرى، والمشاهير، ومنظمات المجتمع المدني. وأصبحت دوائر التأثير أوسع كثيرًا من القنوات الدبلوماسية التقليدية، الأمر الذي يفرض على السفراء بناء شبكة نفوذ داخل المجتمع الذي يعملون فيه، تمتد إلى كل الدوائر المذكورة أعلاه. ولقد قدمت أوكرانيا نموذجًا لافتًا في هذا المجال؛ فإلى جانب معركتها في الميدان، أدارت معارك موازية داخل البرلمانات، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام، والجامعات، ونجحت في تحويل روايتها إلى عنصر مؤثر في صناعة القرار الدولي. أما الدبلوماسية السودانية فما زال جزء معتبر منها يتحرك داخل القنوات التقليدية، في وقت انتقلت فيه دوائر التأثير لفضاءات اخرى.

ولا يجوز، مع ذلك، اختزال المشكلة في كفاءة الكادر الدبلوماسي. فوزارة الخارجية السودانية تضم دبلوماسيين محترفين، وكثير منهم يمتلك خبرات تراكمت عبر عقود، وفهماً متقدماً لعالم اليوم ولطبيعة التداخل بين البنى المؤسسية الحاكمة له. غير أن الكفاءة الفردية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تعوض غياب الرؤية المؤسسية. فالوزارة نفسها دفعت ثمن سنوات طويلة من المحاصصات السياسية، والتعيينات القائمة على المجاملات والترضيات، وهو ما أضعف معايير الاختيار وأربك البناء المهني. وإلى جانب ذلك، تتحرك البعثات في كثير من الأحيان من دون رواية وطنية متفق عليها، مع أن صياغة هذه الرواية ليست مسؤولية وزارة الخارجية وحدها، بل هي نتاج عمل تشاركي بين مؤسسات الدولة السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والإعلامية، والثقافية. ويكتمل هذا الخلل بغياب منظومة حقيقية لقياس الأداء؛ فلا توجد مؤشرات واضحة تقيس ما حققته السفارة في جذب الاستثمارات، أو فتح الأسواق، أو بناء الشراكات، أو تحسين صورة السودان، ولا مراجعات دورية تنتهي بالمحاسبة أو المكافأة وفقاً للأثر المتحقق.

والأخطر أن طبيعة الصراعات نفسها تغيرت. فالحروب الهجينة أصبحت تمزج بين العمليات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والحملات الإعلامية، والضغوط القانونية، والهجمات السيبرانية، وتوظيف المنظمات الدولية، وتحريك جماعات الضغط والرأي العام. وفي مثل هذه البيئات قد يحقق تقرير حقوقي، أو دراسة أكاديمية، أو حملة إعلامية، ما تعجز عنه قوة عسكرية كاملة. ولهذا تجاوزت السفارة وظيفة التمثيل التقليدي للدولة في الخارج، وأصبحت جزءً من منظومة الأمن القومي، وجبهة متقدمة للدفاع عن المصالح الوطنية. وكل فراغ تتركه البعثة في فضاء الإعلام أو الجامعات أو مراكز الفكر، يملؤه خصوم السودان برواياتهم وشبكاتهم وعلاقاتهم، ثم نجد أنفسنا منشغلين بنفي ما استقر في أذهان الآخرين بدلًا من منعه قبل أن يتشكل.

وتبقى الأسئلة العاجلة التي ينبغي أن تواجه صانع القرار: ماذا نريد من سفاراتنا الآن، وهل تتناسب طريقة عملها مع طبيعة الصراع الذي تواجهه الدولة اليوم، بما يحمله من ضغوطات سياسية، و أزمات اقتصادية، وحملات إعلامية، وشبكات خارجية تعمل ليل ونهار على التأثير في صورتها ومصالحها، وهل يظل تقييم السفير قائماً على عدد المناسبات والزيارات، أم على ما حققه من نفوذ سياسي، وشراكات اقتصادية، وحضور أكاديمي، وتأثير إعلامي؟

ربما آن الأوان لأن تشرع الدولة في تدبير رؤية معاصرة واستراتيجية للعمل الخارجي، كما آن الأوان أن تمتلك وزارة الخارجية مؤشرات أداء دقيقة لكل بعثة، بحيث تُلزم كل سفير بخريطة سنوية تحدد مراكز القوة والنفوذ والتأثير في الدولة المضيفة، وخطة لبناء العلاقات معها، وتقريرًا دوريًا يقيس ما تحقق من نتائج. فالدبلوماسية أحد أهم أدوات الدولة الحديثة في صناعة القوة. وإذا كان السودان يريد أن يحسن موقعه في هذه الحرب، وأن يؤسس في الوقت نفسه لسلام مستقر بعد انتهائها، فذلك لن يتحقق إلا عبر دبلوماسية تتحرك بعقل هذا العصر، لا بعقل عصر مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى