رأي

تعقيباً على أطروحة د. محمد جلال هاشم: حين يختفي اللاعب الأكبر … هل تبدأ المرحلة الثانية من الصراع؟

هشام يوسف عبد الرحمن

استوقفتني الأطروحة التي نشرها الدكتور محمد جلال أحمد هاشم على صفحته بموقع “فيسبوك” بتاريخ 3 يوليو 2026، ليس لأنها تقدم إجابات نهائية، وإنما لأنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول إحدى أكثر القضايا حضوراً في العلاقات الدولية المعاصرة: كيف تُدار الحروب الحديثة، ومتى ينتقل اللاعبون الكبار من إدارة الصراع عبر الوكلاء إلى أشكال أخرى من الانخراط؟

 

هذا السؤال ليس جديداً في الفكر الاستراتيجي، كما أنه لا يخص السودان وحده. فقد ناقشته مدارس كاملة في العلاقات الدولية، وقدم التاريخ الحديث شواهد متعددة على أن القوى الكبرى كثيراً ما فضلت إدارة الصراعات عبر مستويات متدرجة من الوكلاء، والدعم اللوجستي، والضغط السياسي والاقتصادي، قبل أن تعيد تقييم طبيعة انخراطها كلما تبدلت موازين القوى على الأرض.

 

ومن هنا، فإن قيمة الطرح لا تكمن في الأسماء التي يذكرها أو لا يذكرها، وإنما في الفكرة الأعمق التي يثيرها: كيف تُدار الحروب الحديثة؟ وهل أصبحت الوكالة إحدى السمات البنيوية للنظام الدولي، أم أنها مجرد استثناء تفرضه ظروف معينة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو المواقف السياسية وحدها، وإنما ينبغي أن تستند إلى قراءة أوسع لتطور الفكر الاستراتيجي وتجارب التاريخ المعاصر، وهو ما يجعل من الحالة السودانية مدخلاً لتحليل ظاهرة تتجاوز حدود السودان نفسه.

ويجد هذا التحليل ما يسنده في أدبيات العلاقات الدولية. فـستيفن والت يذهب إلى أن الدول لا تتحرك بدافع القوة المجردة، وإنما وفق إدراكها لمستوى التهديد وتغيره. أما جون ميرشايمر، فيرى أن القوى الكبرى لا تتصرف بدافع الاعتبارات الأخلاقية بقدر ما تتحرك وفق منطق المصلحة وتوازنات القوة. ويضيف إدوارد لوتواك أن الحرب ليست انقطاعاً عن السياسة، بل استمرار لها بأدوات مختلفة، تتغير أشكالها كلما تغيرت كلفة الانخراط المباشر. وفي السياق نفسه، يبين أندرو مومفورد في كتابه Proxy Warfare أن الحروب بالوكالة لم تعد استثناءً، بل أصبحت إحدى الأدوات المفضلة للقوى الكبرى لتقليل الكلفة السياسية والعسكرية مع الحفاظ على القدرة على التأثير.

ومن هذا المنظور، فإن السؤال في السودان لا ينبغي أن ينصرف إلى أسماء الوكلاء بقدر ما ينبغي أن ينصرف إلى فهم البنية التي تنتج الوكالة نفسها. فالوكلاء يتبدلون، وأدوات الإسناد تتغير، أما الهدف الاستراتيجي فيظل مرتبطاً بقدرة الفاعل الخارجي على التأثير في مآلات الصراع بأقل كلفة ممكنة. وعندما تتبدل موازين القوى على الأرض، لا يكون مستغرباً أن تتبدل أدوات التأثير هي الأخرى، سواء عبر تكثيف الدعم غير المباشر، أو إعادة توزيع الأدوار، أو البحث عن صيغ جديدة للحفاظ على النفوذ.

ولعل التجربة السودانية نفسها تقدم مثالاً يستحق التأمل. فقد شهد السودان، على امتداد سنوات طويلة، تدرجاً في أدوات الضغط الخارجي، بدأ بعقوبات اقتصادية وسياسية وعزلة دبلوماسية، وترافق في إحدى مراحله مع استخدام القوة العسكرية، كما تجسد في قصف مصنع الشفاء للأدوية عام 1998. ومع ذلك، لم تنته الأزمة عند حدود أدوات الضغط أو العمل العسكري، وإنما انتقلت لاحقاً إلى مسار تفاوضي طويل لقضية جنوب السودان، بدأ بأبوجا، ثم مشاكوس، وانتهى باتفاقية نيفاشا التي أعادت رسم الخريطة السياسية للسودان، وأفضت في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان.

وليس المقصود من استحضار هذه التجربة إثبات تطابقها مع اللحظة الراهنة، فلكل مرحلة سياقاتها الإقليمية والدولية المختلفة، وإنما الإشارة إلى أن إدارة الأزمات الكبرى كثيراً ما تمر بمراحل متعاقبة، تتدرج من الضغوط السياسية والاقتصادية، إلى أدوات أكثر صلابة عند الحاجة، ثم تعود إلى مسارات التفاوض وإعادة هندسة التوازنات عندما تستنفد أدوات القوة المباشرة أغراضها. وهذا النمط لا يقتصر على السودان، بل يجد ما يؤيده في عدد من التجارب الدولية التي تعاملت فيها القوى الكبرى مع النزاعات بوصفها عمليات طويلة لإعادة تشكيل الوقائع السياسية، أكثر من كونها معارك عسكرية تنتهي بانتصار طرف وهزيمة آخر.

وإذا كان التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى تلجأ، في مراحل مختلفة، إلى أدوات غير مباشرة لإدارة الصراعات، فإنه يعلمنا أيضاً أن نجاح هذه الأدوات ليس قدراً محتوماً. فقد أظهرت تجارب عديدة أن قدرة الدولة على الصمود لا تُقاس فقط بتفوقها العسكري، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك مؤسساتها، وشرعية سلطتها، ووحدة مجتمعها. فالنفوذ الخارجي، مهما اتسع، يجد حدوده الطبيعية عندما يواجه دولة قادرة على إنتاج التوافق الداخلي، ومؤسسات تمتلك الحد الأدنى من الكفاءة والاستمرارية.

ولعل صامويل هنتنغتون كان من أوائل من لفتوا الانتباه إلى أن أخطر ما يواجه الدول ليس التدخل الخارجي في حد ذاته، وإنما هشاشة المؤسسات الداخلية. فالدول ذات المؤسسات القوية تكون أكثر قدرة على استيعاب الضغوط، بينما تصبح الدول الضعيفة بيئة خصبة لتعدد مراكز النفوذ. ويذهب فرانسيس فوكوياما، في كتابه State-Building، إلى أن بناء الدولة ليس ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الأول لحماية السيادة، لأن الفراغ المؤسسي يغري الفاعلين الخارجيين بملئه.

ومن زاوية أخرى، يلفت تشارلز تيلي إلى أن الدولة لا تُختزل في احتكار أدوات القوة، وإنما في قدرتها على بناء علاقة مستدامة مع المجتمع. وعندما تتآكل هذه العلاقة، يصبح المجال مفتوحاً أمام الفاعلين الخارجيين للتأثير، ليس لأنهم أقوى بالضرورة، وإنما لأن الداخل أصبح أكثر قابلية للاختراق.

ومن هذا المنظور، فإن القضية الجوهرية في الحالة السودانية لا ينبغي أن تُختزل في أسماء الفاعلين الخارجيين أو حجم أدوارهم، بقدر ما ينبغي أن تنصرف إلى السؤال الأكثر عمقاً: كيف يمكن للدولة أن تقلل من قابلية ساحتها الداخلية لأن تتحول إلى مجال تتقاطع فيه مصالح الآخرين؟ فالتاريخ يكشف أن النفوذ الخارجي، مهما اتسعت أدواته، يجد حدوده الطبيعية عندما يواجه مؤسسات راسخة، ومجتمعاً متماسكاً، ورؤية وطنية قادرة على إنتاج التوافق الداخلي. أما حين تتشظى الجبهة الداخلية، فإن الفاعلين الخارجيين لا يصنعون الأزمة من العدم، وإنما يجدون بيئة أكثر قابلية لاستثمارها وتوجيه مساراتها.

ولهذا، فإن حماية الدولة لا تبدأ عند الحدود، وإنما تبدأ من الداخل؛ من بناء المؤسسات، وترسيخ الشرعية، وتعزيز الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتحويل التنوع إلى عنصر قوة بدلاً من أن يصبح مدخلاً للتنافس الخارجي. فهذه هي الحقيقة التي تؤكدها تجارب الدول، وهي كذلك النقطة التي تتلاقى عندها معظم مدارس الفكر السياسي المعاصر، مهما اختلفت منطلقاتها: الدول القوية بمؤسساتها ومجتمعاتها أقل قابلية لأن تتحول إلى ساحات تُدار فيها صراعات الآخرين.

تنـويه:

1/ يمثل هذا المقال تعقيباً فكرياً على المنشور الذي نشره الدكتور محمد جلال أحمد هاشم على صفحته (M Jalal Hashim) بموقع “فيسبوك” بتاريخ 3 يوليو 2026م تحت عنوان: (بانهزام مليشيات الجنجويد سوف تظهر قوى الإمبريالية الغربية التي خططت لهذه الحرب، فلنستعد لها عبر منافيستو المقاومة الشعبية).

2/ سأعود لاحقا لهذا الموضوع من زاوية استراتيجية وبتوسع أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى