رأي

تشريح الحرب الناعمة في السودان وخرائط إنهاك المستقبل

 

دكتور محمد عوض محمد متولي

 

يخوض السودان اليوم معركتين متوازيتين؛ أولاهما مكشوفة تحدثها الطلقات والمدافع والطائرات المسيرة، وتُبث صورها المأساوية عبر الشاشات، بينما ثانيتهما حرب صامتة، ناعمة، وذكية، تتسلل بنعومة الأفاعي إلى البيوت، المدارس، الأسواق، والذاكرة الجمعية، متجاوزة الحاجة إلى إعلان التعبئة أو إصدار البيانات العسكرية.

وتكمن خطورة هذه الحرب الناعمة في أنها لا تسعى لمجرد احتلال الأرض بقدر ما تسعى لاحتلال وتثبيط الإرادة الوطنية، ولا تهدف إلى كسر الجيوش النظامية بقدر ما تهدف إلى سحق قدرة المجتمع على الصمود والنهوض بعد أن تصمت المدافع، فهي حرب استنزاف طويلة النفس تستثمر في الزمن، التراكم، واليأس، وتحوّل كل مواطن إلى جبهة قتال مستهدفة دون أن يدري.

إن ما يشهده السودان ليس مجرد صراع مسلح تقليدي أو نزاع عابر، بل هو نموذج مخبري مكتمل الأركان لما يُعرف في أدبيات الأمن القومي والاستراتيجيات الدولية بــ”الإنهاك المنظم للدولة”، وهو تكتيك سيكولوجي ومادي يقوم على تحويل تفاصيل الحياة الطبيعية إلى عبء يومي خانق وتآكل بطيء لكل مقومات الصمود، حتى يصبح مجرد بقاء الإنسان على قيد الحياة انتصاراً مؤقتاً ومستنزِفاً.

​إن هذا الإنهاك الشامل ليس نتاجاً لعفوية الصراع أو محليته الخالصة، بل هو أداة تنفيذية لـ “مخطط أساسي” تم الترتيب له بعناية فائقة في غرف التخطيط الاستراتيجي ومطابخ الحرب الناعمة قبل أن تُشعل أول رصاصة على أرض الواقع، حيث يهدف هذا المخطط إلى كسر عظم الدولة السودانية وتفكيك ظهيرها وعمودها الفقري، متمثلاً في القوات المسلحة السودانية والمجتمع السوداني ، لخدمة مشاريع كبرى تهدف إلى إعادة هندسة السودان سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتوزيع جغرافيته الممتدة من
منطقة البحر الأحمر عبر منطقة الساحل الأفريقي إلى المحيط الأطلسي، وخلق فراغ استراتيجي مُتحكّم فيه تملؤه شركات أمنية وشبكات موارد عابرة للحدود تجد في الدولة السودانية المنهكة سوقاً مفتوحة ومستباحة بلا سيادة.

وقد انطلقت آليات هذا المخطط قبل اندلاع العمليات العسكرية بوقت طويل عبر تهيئة دبلوماسية وإعلامية دولية وإقليمية مكثفة، تولت قيادة خطة ممنهجة لتوجيه الرأي العام، تلاها تسويق الصراع للخارج فور اندلاعه بـأنه مجرد “نزاع داخلي بين جنرالين” وضمن سردية مبرمجة تخفي الأبعاد الديموغرافية والجيوسياسية الحقيقية للمخطط.

​لقد بدأ هذا المخطط باستهداف أضعف الحلقات وأكثرها حيوية وهي كتلة الشباب؛ باعتبارهم عماد أي مشروع مستقبلي للتعافي وإعادة البناء، حيث تقاطعت التقارير الميدانية الموثقة دولياً ومحلياً لتكشف عن عمليات تجنيد ممنهج وواسع النطاق طال القُصّر والشباب من الجنسين عبر استغلال حاجتهم المادية البيولوجية وسط بيئة انعدم فيها الأمان، وترافق ذلك مع ضخ غير مسبوق للمخدرات الفتاكة مثل “الآيس” والحبوب المخدرة كأداة لتدمير البنية النفسية والذهنية للشباب وعزلهم عن أي فاعلية سياسية أو إنتاجية. وتكامل هذا الثالوث التدميري بالضلع الإعلامي المتمثل في آلاف الحسابات المبرمجة على منصات التواصل الاجتماعي التي تبث خطاب الكراهية، وتعمل على فتق النسيج الاجتماعي، وتضخيم الشائعات، وتزييف الوقائع لتدمير ما تبقى من ثقة بين المكونات الوطنية، مستفيدة من خوارزميات المنصات العالمية التي تضاعف انتشار الخطاب العنصري المفتت بمعدل ستة أضعاف مقارنة بالخطاب الوطني الجامع، في وقت يُستخدم فيه تقييد الوصول لخنق الرواية الوطنية وإتاحة الفراغ تماماً للحسابات الخارجية الموجهة، مما يضع الشباب بين خياري الهجرة القسرية بأي ثمن أو الانخراط في دوامات العنف كوسيلة وحيدة للبقاء.

​ولم يكن الاقتصاد بمنأى عن هذا المخطط، بل شُنّت عليه حرب ناعمة أصابت قلب الدولة السودانية بالشلل بعد أن فقدت العملة الوطنية أكثر من ثمانين بالمئة من قيمتها، وقد تلقى القطاع الإنتاجي ضربة كبيرة عبر التدمير الممنهج لسلاسل الإمداد ونهب وتعطيل المشاريع الزراعية الحيوية في الجزيرة وسنار المناقل كردفان الكبرى، وتدمير المناطق الصناعية بولاية الخرطوم التي كانت تؤمّن الغذاء والدواء، مما رفع أسعار السلع الأساسية وحوّل الحصول على رغيف الخبز إلى معركة بقاء يومية، في وقت تحولت فيه الحدود السودانية الممتدة مع سبع دول إلى شرايين مفتوحة لتهريب الذهب والمحاصيل والوقود، مما حرم خزينة الدولة من مليارات الدولارات الكفيلة بتمويل الاستيراد وتخفيف وطأة الكارثة الإنسانية.

​إن خنق هذه الشرايين الحيوية يتزامن مع استهداف تدميري متكرر للبنية التحتية والخدمية ومحطات المياه والكهرباء لإخراجها عن الخدمة وتعطيل المستشفيات والمدارس والجامعات، حيث تشير توثيقات منظمة الصحة العالمية إلى خروج أكثر من سبعين بالمئة من المنشآت الطبية في مناطق النزاع عن الخدمة، ترافقاً مع إغلاق المدارس والجامعات الذي يهدد بنشوء فجوة جيل كاملة في التعليم وملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية. ويمتد هذا المحو الممنهج ليتوج باستهداف الرمزية الثقافية والذاكرة الوطنية عبر تدمير المتاحف، المكتبات، والأرشيف القومي بالخرطوم، وهو عمل استراتيجي خبيث يسعى لقطع صلة الأجيال القادمة بماضيها ومحو الأدلة القانونية والتاريخية للملكية والحقوق، مما يجعل إعادة بناء الدولة مستقبلاً أصعب بكثير من بنائها لأول مرة.

​إن المحصلة النهائية والأثر التراكمي لهذه المحاور مجتمعة ليس مجرد السيطرة على الأرض، بل صناعة ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ “العجز المكتسب” و “موت المستقبل”، حيث يُبرمج عقل المواطن تحت وطأة الأزمات المتكررة على قناعة راسخة بأن لا شيء سيتحسن، فيتوقف عن الاستثمار، الادخار، والمقاومة، ويصاب الأفق الزمني للمجتمع بالشلل التام، مما يدفعه للقبول بأي تسوية أو هندسة سياسية تُفرض عليه مهما كانت شروطها جائرة. ويهدف هذا السيناريو الكنتوني الغاشم في نهاية المطاف إلى تفكيك الدولة عملياً، ومحو السودان القديم المعروف، واستبداله بنموذج شبيه بالصومال سابقاً أو الكونغو واليمن وليبيا حالياً؛ بحيث تفقد الدولة المركزية سيادتها الكاملة على ترابهاالوطني، وتتحول البلاد إلى كنتونات ومربعات أمنية معزولة تعشش فيها مجموعات مرتزقة مسلحة تسيطر على مناطق إنتاج الذهب والثروات وتتحكم في مصير البلد وتديره لصالح القوى الخارجية، بينما يجري قهر وتهميش المجموعات السكانية الأصيلة التي تُجبر على الانزواء في أركان قصية من وطنها بعد تغيير هويته الديموغرافية والاجتماعية بالكامل.

​أمام هذا التشريح الاستراتيجي، يصبح الانتصار في الحرب العسكرية بلا قيمة إذا خسرنا المعركة الناعمة، مما يفرض على السودانيين وعياً جمعياً متقدماً يدرك أن العدو لم يعد متمثلاً في الجبهات العسكرية وحسب، بل كذلك في الإشاعة التي يتم تناقلها، وفي المخدر الذي يُسمح بمروره، وفي المدرسة التي تُترك مغلقة، وفي التاريخ الذي يُفرط فيه. وحيث إن انتظار الحلول الفوقية قد يطول، فإن بروتوكول الصمود الوطني يجب أن ينطلق فوراً من الأسفل عبر ثلاثة مستويات متزامنة ومتصلة؛ أولها صمود الأسرة كبديل معرفي من خلال تبني التعليم المنزلي ولو لساعة يومياً وتفعيل دوائر التكافل الصغيرة، وثانيها صمود الحي عبر لجان خدمات طوعية تحمي وتصلح محطات المياه والكهرباء والمرافق بما تيسر، وثالثها صمود الذاكرة عبر أرشفة رقمية لامركزية للوثائق والملكيات والتاريخ العائلي قبل أن تطاله النيران. إن السودان لن يُهزم بالرصاص وحده، لكنه قد يُهزم باليأس والمحو، ولذا فإن المهمة الاستراتيجية والأقدس الآن هي صناعة الأمل وحماية الوعي في خضم الخراب، لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها ومستقبلها وتسقط في فخ العجز، لا تحتاج إلى من يحتلها عسكرياً، بل تسقط وتتلاشى من تلقاء نفسها.

 

**محلل وأكاديمي وخبير اقتصادي مشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى