قبل أن نطرح ثروات البحر الأحمر… هل نعرف ما نملكه منها وما قيمته؟

عادل الرفاعي أبوالحسن
تداولت الأسافير خبراً عن اتفاق على طرح حصة السودان من التونة في البحر الأحمر و المحيط الهندي في عطاء. وإن صح الخبر، فإن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في صحة إجراءات العطاء، أو مدى الالتزام بالنزاهة و الشفافية و المعايير الدولية؛ فهذه أمور مهمة، لكنها تأتي بعد سؤال أكبر:
هل نعرف نحن ماذا نملك قبل أن نطرح ما نملكه؟
وهنا لا بد أن تتوقف الحكومة عن البحث عن أسهل و أيسر الطرق للحصول على المال، خصوصاً عندما يكون ذلك على حساب الموارد نفسها. فالحاجة إلى الإيرادات لا ينبغي أن تدفع الدولة إلى التعجل في طرح مواردها قبل استكمال الدراسات اللازمة لمعرفة حجمها و قيمتها و حدود استغلالها.
فالدولة قد تحصل اليوم على عائد من مورد غير مدروس، بينما يمكن أن تحقق منه قيمة أكبر بكثير إذا عرفته، و قيّمته، و أحسنت إدارته و طرحه. ولذلك ينبغي أن يكون السؤال: ما القيمة الحقيقية لهذا المورد، وكيف نحقق منها أكبر عائد مستدام للسودان؟
البحر الأحمر ليس تونة فقط، ولا ثروة سمكية فحسب. فالساحل السوداني يمتد لأكثر من 700 كيلومتر، و مياهه الاقتصادية تختزن ثروات بحرية و أحيائية و طبيعية واسعة: أسماكاً، و قشريات، و أصدافاً، و شعاباً مرجانية، إلى جانب إمكانات معدنية و بترولية و غيرها.
وتتميز الشعاب المرجانية على السواحل السودانية بخصائص فريدة تجعلها من أهم البيئات البحرية وأكثرها تنوعاً في المنطقة، كما تتميز بقدرة لافتة على التكيف مع ارتفاع درجات حرارة المياه مقارنةً بكثير من البيئات المرجانية الأخرى. وهي ليست مجرد جزء من البيئة البحرية، بل ثروة سيادية ذات قيمة بيئية و اقتصادية و سياحية و علمية و طبية؛ فهي حاضنة لتنوع أحيائي كبير، و ملاذ لتكاثر الأسماك و نموها، و حاجز طبيعي يحمي السواحل، وقد تحمل كائناتها و مكوناتها فرصاً في الصناعات الدوائية و الطبية.
ومن هنا يأتي سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الصيد نفسه: هل نملك التقنيات و الأنظمة و القوانين و أدوات الرقابة التي تضمن ألا يؤدي الصيد أو أي نشاط اقتصادي آخر إلى الإضرار بهذه الثروة أو الانتقاص من قيمتها؟
لذلك، فإن البداية الصحيحة ليست طرح العطاء، وإنما المعرفة لطبيعة وقيمة الثروة.. نحتاج إلى مسح بحري استراتيجي شامل و محدث يحدد ما في بحرنا من موارد، و أماكن وجودها، و أنواعها، و كمياتها التقديرية، و أعمارها، و خصائصها، و قيمتها الاقتصادية، و قدرتها على التجدد، و حدود استغلالها الآمن.
ولا يكفي أن نعرف أن هناك أسماكاً أو شعاباً مرجانية؛ بل ينبغي أن نعرف قيمتها و أهميتها و استخداماتها، وما إذا كانت بعض الأنواع ذات قيمة غذائية أو دوائية أو صناعية، وما يمكن أن تستخرجه منها صناعات ذات قيمة مضافة. أما التفاصيل الفنية، فهي شأن أهل الاختصاص، وهم أقدر على تحديدها.
ومن هذه المعرفة نستطيع أن نحدد كيف يكون الصيد: ما الكمية، و أين، و متى، و لمدة كم، و ما المناطق التي يسمح فيها بالصيد، و ما المناطق التي تحتاج إلى حماية، و كيف تتم المتابعة و الرقابة.
فالعطاء ليس مجرد رقم و مدة في وثيقة؛ بل يجب أن يبنى على قدرة المورد على التجدد، حتى لا يتحول الاستثمار إلى استنزاف يهدد بعض الأنواع أو البيئة البحرية.
وهنا تظهر قضية جوهرية: السلطة بلا أدوات لا تكفي..
فإذا كانت سلطات المصائد و البحوث السمكية تملك صلاحية منح تراخيص الصيد، فيجب أن تمتلك أيضاً أدوات حقيقية للرصد و المتابعة، و معرفة السفن الداخلة و الخارجة، و مناطق الصيد، و الكميات المصطادة، و التأكد من الالتزام بالشروط، و حماية الشعاب المرجانية و المناطق الحساسة، و منع وسائل الصيد المحظورة.. وهذا يتطلب مؤسسات مؤهلة، و كوادر مدربة، و تقنيات حديثة، و قواعد بيانات محدثة، و أجهزة قادرة على المتابعة المستمرة.
وهنا نعود إلى مبدأ سبق أن طرحناه في إدارة موارد السودان: قبل أن تسند الدولة خدمة إلى القطاع الخاص، عليها أن تعرف، و تهيئ، و تؤهل، و تضع القوانين و الضوابط، و تبني أدوات الرقابة، ثم تترك للقطاع الخاص تنفيذ الخدمة أو الاستثمار وفق شروط واضحة.. فالقطاع الخاص، سودانياً كان أو أجنبياً، يمكن أن يأتي بالتمويل و الخبرة و التقنية، لكن المعرفة و السيادة و التشريع و الرقابة و حماية المورد مسؤولية الدولة.
ولدينا في السودان تجارب تستحق الاستفادة من منهجها، ومنها تجربة سد مروي في الدراسات و القياسات و جمع البيانات المتعلقة بالمورد المائي. والمغزى ليس نقل التجربة المائية إلى البحر حرفياً، وإنما الاستفادة من مبدأ أساسي: اعرف المورد، و قِسْه، و ارصد تغيراته، و ابنِ قاعدة بياناتك قبل أن تتخذ القرار.
و عليه، فإن المطلوب ليس مجرد دراسة التونة، وإنما برنامج وطني للمسح البحري الاستكشافي، بأحدث الأجهزة و التقنيات، و بالاستفادة من الخبرات السودانية محلياً و عالمياً، و الاستعانة ببيوت الخبرة المتخصصة عند الحاجة؛ لمعرفة الثروات السمكية و الأحيائية و المرجانية و المعدنية و البترولية، و تقييمها و تحديد قيمتها و حدود استغلالها.
و إذا كان للأزمات و الحروب من درس يمكن أن نستفيد منه، فهو أن نعيد اكتشاف إمكانات السودان، و نعرف موارده، و نبني مؤسساته على أساس المعرفة و الاستعداد. فامتلاك الثروة لا يكفي؛ القوة الحقيقية أن تعرفها، و تقيسها، و تحميها، ثم تعرف متى و كيف تستثمرها.
وعندما نمتلك المعرفة و القدرة، يصبح طرح المورد للقطاع العام أو الخاص، وللمستثمر السوداني أو الأجنبي، قراراً محسوباً. عندها نعرف ماذا نطرح، و كم نطرح، و أين نطرح، و لمدة كم، و لمن، و بأي شروط.
والهدف ليس رفض الاستثمار أو الاعتراض على العطاء، وإنما الوصول إلى استثمار حقيقي يحقق معادلة Win-Win: مستثمر يجد فرصة واضحة و عادلة، و دولة تحصل على أفضل قيمة ممكنة من مواردها، و مورد يبقى محمياً ومستداماً للأجيال القادمة.. علينا أن نعرف ثرواتنا أولاً، نقيّمها، نؤهل مؤسساتنا، نحميها بالقانون و الأدوات، ثم نطرحها للاستثمار.
والسؤال الذي يجب أن يسبق من سيصطاد؟ و كم سيدفع؟
هو: ماذا نملك؟ و كم تساوي ثرواتنا؟ و كيف نحميها؟



