رأي

عندما تكتب الطبيعة استراتيجية الدولة

 

عادل الرفاعي أبوالحسن

من البديهي أن الطيور والأسماك والبذور لا تذهب إلى الجامعات لتتعلم طبيعتها؛ فالطيور لا تدرس الطيران، والأسماك لا تتعلم السباحة، والبذور لا تتعلم الإنبات. لقد أودع الله في كل منها طبيعتها وقدراتها، وهيأ لها ما يمكنها من الحياة والنمو والازدهار.

لكن النجاح لا يقوم على القدرة وحدها؛ فالملاءمة البيئية من أهم عوامل النجاح والتميز والتفوق والازدهار. فالطائر يحتاج إلى فضاء يلائم طبيعته، والسمكة إلى الماء، والبذرة إلى تربة وماء ومناخ مناسب. وكلما انسجمت طبيعة الكائن مع بيئته، استطاع أن يستثمر قدراته بصورة أفضل.

وهذا مبدأ ينطبق على الدول أيضاً. فلكل دولة طبيعتها ومواردها وخصائصها وموقعها ومناخها وتربتها وأنهارها وسواحلها، وهي في مجموعها تشكل مقوماتها الاستراتيجية. ولذلك لا بد للدولة أن تعرف ما هيأه الله لها، ثم تبني استراتيجيتها عليه، وتعمل في تناغم مع طبيعتها وبيئتها.

ومن نعم الله علينا في السودان أن طبيعتنا لم تترك لنا مهمة اكتشاف ميزتنا الاستراتيجية شاقة أو غامضة؛ لقد تكلمت طبيعتنا، وتكلمت بصوت جهوري واضح: السودان بلد زراعي.

هذه الحقيقة يعرفها السودانيون ويعرفها العالم، وهي حاضرة في الكتب والدراسات ومناهج الجغرافيا في كثير من الدول. ولسنا بحاجة إلى إضاعة مزيد من الوقت في إثبات أن السودان بلد زراعي؛ فالطبيعة أثبتت ذلك، والكتب سجلته، والعالم يعرفه.

المعرفة وحدها لا تبني، ولا تعمر، ولا تنمي؛ إنما قيمتها في أن تتحول إلى فعل، وتترجم إلى سياسات، وتفعل في الواقع.. ومن هنا تبدأ مسؤولية الدولة: أن يعمل السودان كبلد زراعي.

إذا كانت الطبيعة قد حددت لنا ميزتنا، فإن الزراعة لا ينبغي أن تكون مجرد قطاع من قطاعات الدولة ينافس غيره على الاهتمام والتمويل، وإنما ينبغي أن تكون محوراً للاستراتيجية الوطنية للنهضة.. وبعبارة أكثر وضوحاً: لا نضيف الزراعة إلى الدولة، بل نعيد توجيه الدولة لخدمة الزراعة.

فإذا كان السودان بلداً زراعياً، يجب أن يخدم التعليم الزراعة، وأن يوجه البحث العلمي إلى تطوير الإنتاج والإنتاجية، وأن تصل الطرق والنقل والتخزين الأرض بالأسواق، وأن يخدم الري والطاقة التوسع الزراعي، وأن يوفر القطاع المصرفي تمويلاً يتناسب مع طبيعة الموسم الزراعي، وأن تيسر القوانين الأرض والاستثمار والإنتاج والصادر.

ولهذا يجب أن تعكف الدولة، بكل أجهزتها التنفيذية، على تحويل هذه الرؤية إلى استراتيجية عمل؛ وأن يصب كل جهد حكومي، وكل سياسة، وكل قرار، وكل استثمار في البنية الأساسية، وكل مورد متاح في تحقيق هذا الهدف..

فحين تكون الزراعة هي الميزة الاستراتيجية للسودان، يجب أن تتجه مؤسسات الدولة كلها لتحقيقها، لا أن تظل الزراعة قطاعاً يعمل منفرداً وسط سياسات متفرقة.. وهكذا تتحول الزراعة من نشاط اقتصادي إلى منظومة دولة.

ولا يعني ذلك الاقتصار على إنتاج المحاصيل الخام؛ فالقوة الحقيقية تبدأ من الأرض وتمتد إلى الصناعات التحويلية والغذائية والتعبئة والتخزين والتسويق والتصدير. كما أن الثروة الحيوانية تمثل امتداداً طبيعياً للمنظومة الزراعية؛ فالمخلفات الزراعية يمكن أن تتحول إلى أعلاف، وتوفر الزراعة جزءاً كبيراً من مدخلات الإنتاج الحيواني، بما يخفض التكلفة ويزيد القيمة والعائد.. ومن هنا تصبح الاستراتيجية سلسلة متكاملة تبدأ بالأرض ولا تنتهي عند الميناء.

ولتحقيق ذلك، لا بد من قانون استثمار زراعي ييسر إجراءات الأراضي وتمليكها واستغلالها، ويشجع المواطنين والمستثمرين، ويمنح الاستثمار الزراعي الحوافز المناسبة.. كما يجب أن يأخذ التمويل الزراعي نصيباً أساسياً من التمويل المصرفي، بآجال مريحة تتناسب مع الدورة الزراعية، حتى لا يجبر المزارع على البيع تحت ضغط الحاجة فور الحصاد. فالتمويل الجيد لا يمول موسماً فقط، وإنما يساعد على بناء مزارع قادر على الاستمرار والتوسع.

وتحتاج المنظومة كذلك إلى تطوير الري والطرق والنقل والتخزين والمحاجر، وتبسيط إجراءات الصادر، وإعفاء أو تخفيض الرسوم على المعدات والآلات ومدخلات الإنتاج الزراعي، وفتح المجال أمام التكنولوجيا والخبرات الحديثة، وربط المنتج السوداني بالأسواق العالمية.

والتعليم والإعلام والثقافة شركاء في هذا التحول؛ فالمطلوب أن تصبح الزراعة في وعي الأجيال علماً وصناعة واستثماراً ومستقبلاً، وأن يرى الشباب في الأرض فرصة للنجاح والبناء.

وقد شهد السودان عبر تاريخه تجارب وإشراقات زراعية واعدة، لكن المشكلة الكبرى كانت في غياب الاستمرارية. تبدأ المبادرة، ثم تتوقف؛ تبدأ الخطة، ثم تتغير؛ يظهر النجاح، ثم ينقطع؛ وبعد سنوات نعود لنبدأ من النقطة نفسها.. وهذا مسلسل البداية يجب أن يتوقف.. فالنهضة لا تحتاج إلى بداية جديدة كل مرة؛ تحتاج إلى استراتيجية تستمر، ومؤسسات تحميها، وإرادة لا تتبدل، وصبر حتى تظهر النتائج.

ومن هنا فإن الواجب والمسؤولية والأمانة الوطنية والدينية تحتم علينا أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نتجه بقوة وثبات نحو الزراعة، وأن نهيئ لها المناخ الذي يجعل السودان بلداً زراعياً بالفعل، لا في الكتب والمناهج فقط.

علينا أن نعمر الأرض، ونوسع الإنتاج، ونستثمر المياه، ونطور التقنيات، ونبني الطرق والري والتخزين، ونفتح الأسواق، ونشجع المواطنين والمستثمرين، ونبني الصناعات حول الإنتاج الزراعي، حتى تتحول الميزة الطبيعية إلى قوة اقتصادية واستراتيجية.

وما نحتاجه ليس مجرد خطة زراعية، وإنما إرادة زراعية وطنية تعرف إلى أين تريد أن تصل، وتملك الصبر على الطريق، وتحمي الاستراتيجية من التبدل والانقطاع.

ففي التعمير بركة، وفيه رزق، وفيه نماء وتطور، وفيه منعة وقوة وتماسك. وكل أرض تعمر، وكل حقل يزرع، وكل مورد يستثمر، يضيف لبنة في بناء دولة أقوى وأكثر استقراراً وقدرة على صناعة مستقبلها.

كما أن إعمار السودان واستثمار أرضه ليس منفعة للسودانيين وحدهم؛ فالزراعة السودانية يمكن أن تكون إسهاماً في أمن الغذاء لمحيطنا وللبشرية من حولنا.. ولذلك فإن أفضل وسيلة لتفادي أي مخاطر هي أن نعمر أرضنا، ونستثمر مواردنا، ونبني دولتنا، ونحول ما وهبنا الله من إمكانيات إلى قوة إنتاج ونهضة ونماء، لنا ولمحيطنا وللبشرية من حولنا.

لقد بذلت دول كثيرة العلم والمال والسنوات لاكتشاف ميزتها الطبيعية. أما نحن، فمن نعم الله علينا أن طبيعتنا تكلمت من نفسها، وبصوت جهوري واضح.. قالت الأرض كلمتها.. والآن، دور الدولة أن تستجيب.

ومن شدة الحرص على أن تتحول هذه الفكرة من شعار إلى مشروع دولة، يمكن أن تصبح عبارة «جمهورية السودان الزراعية» تعبيراً عن هويتنا الاقتصادية ومشروع دولتنا، لا تغييراً لاسمها الرسمي.

جمهورية السودان الزراعية: ليست اسماً جديداً للدولة، وإنما دولة أعادت بناء استراتيجيتها على طبيعتها.. لقد كتبت الطبيعة استراتيجيتنا؛ وما علينا إلا أن نقرأها، ثم نعمل بها.

الطبيعة حدّثتنا، والأرض نادتنا… فهلّا استجبنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى