السودان … حين تخرج الزراعة من رماد الحرب

د. الصادق علي حاج الشيخ
في السودان، للأرض ذاكرة..
فهي لا تنسى خطى الذين عبروا الحقول ذات صباح، ولا أصوات النساء وهن يملأن الجرار، ولا رائحة التراب حين يجيء المطر الأول، ولا فرحة المزارع وهو يرى أول خضرة تشق طريقها من بين حبات الطين.
الأرض السودانية تعرف أهلها، وتعرف أن هذا الشعب، رغم ما أثقلته الحروب، لم يكن يومًا بعيدًا عن الزراعة.. ولذلك، حين نتحدث عن السودان بعد الحرب، لا ينبغي أن يكون حديثنا عن المدن التي تهدمت وحدها، ولا عن الطرق والجسور والمصانع التي تنتظر يدًا تعيد إليها الحياة.. علينا أن نذهب أبعد من ذلك.. علينا أن نذهب إلى الأرض.. فهناك، بين النيل والمطر، بين الفأس والجرار، وبين حبة القمح وسنابل الذرة، يمكن أن تبدأ قصة السودان الجديدة.
المزارع… الرجل الذي بقي واقفاً.
الحرب لم تأخذ من السودان مدنه ومصانعه فقط؛ أخذت من المزارع شيئًا من طمأنينته.. تعطلت الآلات، وارتفعت أسعار البذور والأسمدة والوقود، وتقطعت الطرق، واضطربت الأسواق، وتضررت مشروعات الري، ونزح كثير من الناس عن قراهم وحقولهم.
لكن المزارع ظل ينتظر.. ينتظر موسمًا جديدًا، ومطرًا جديدًا، وفرصة جديدة ليضع يده في التراب.. وهنا تكمن واحدة من أعظم نقاط القوة في السودان: أن المزارع لم يفقد إيمانه بالأرض.. فالمزارع لا يرى التراب ترابًا.. يراه خبزًا لأطفاله، ومدرسة لابنه، ودواء لأمه، ومستقبلًا لبيته.. ولهذا فإن إنقاذ الزراعة يبدأ من إعادة الثقة إلى المزارع قبل كل شيء.
ليست المشكلة في الأرض، فالسودان بلد واسع، خصب، متعدد المناخات، غني بالمياه والأراضي والثروة الحيوانية.. لكن المفارقة أن بلدًا بهذه الإمكانات ظل عاجزًا عن تحويل جزء كبير من هذه الثروة الطبيعية إلى قوة اقتصادية مستدامة..
ولم تكن المشكلة في الأرض وحدها.. كانت في السياسات.. وفي التمويل. وفي الإدارة.. وفي الأسواق.. وفي الري.. وفي ضعف التصنيع.. وفي العلاقة المضطربة بين الدولة والمزارع.. ولهذا فإن الحرب، رغم قسوتها، ربما تضع أمام السودان فرصة نادرة: أن يعيد النظر في الطريقة التي ينظر بها إلى الزراعة نفسها.. فلا ينبغي أن نعيد زراعة الماضي، بل أن نزرع مستقبلًا جديدًا.
البنك الزراعي… من ممول إلى شريك:
في قلب هذا المستقبل يقف البنك الزراعي…لكن أي بنك زراعي نريد؟ هل نريده بنكًا يأتي إليه المزارع طالبًا قرض الموسم، ثم يخرج وهو يحمل همّ السداد قبل أن يحمل همّ الزراعة؟ أم نريده شريكًا يمشي مع المزارع من أول خطوة في الحقل حتى آخر خطوة في السوق؟
الزراعة ليست لحظة شراء البذور.. إنها رحلة طويلة تبدأ بالبذرة، ثم الماء، ثم السماد، ثم الحراثة، ثم الحصاد، ثم التخزين، ثم النقل، ثم السوق.. ولهذا ينبغي أن يمتد التمويل إلى دورة الإنتاج كاملة.. والأهم أن يتغير مفهوم الضمان.. فكيف نطلب من مزارع خرج من الحرب مثقلًا بالخسائر أن يقدم ضمانات تعادل ما فقده؟
ربما حان الوقت لأن يصبح المحصول نفسه جزءًا من الضمان، وأن تصبح جمعيات المزارعين شريكًا في التمويل، وأن تتطور أدوات التأمين الزراعي، حتى لا يكون المطر وحده هو الذي يقرر مصير المزارع.
المزارعون إذا اجتمعوا… أصبحت لهم قوة:
ظل المزارع السوداني طويلًا يعمل منفردًا.. يشتري منفردًا، ويقترض منفردًا، ويبيع منفردًا، ويواجه تقلبات السوق منفردًا.. وهذا يجعل كلفة إنتاجه أعلى، وقدرته على التفاوض أضعف.. لكن المزارعين إذا اجتمعوا في جمعيات منتجين حقيقية، يمكن أن تتغير المعادلة.
يمكن للجمعية أن تشتري السماد بالجملة، وتمتلك الجرارات والحاصدات، وتنشئ المخازن، وتتفاوض مع البنك، وتبيع المحصول بصورة جماعية، بل وتتعاقد مباشرة مع المصانع.. وهنا لا يعود المزارع مجرد منتج ينتظر السعر الذي يفرضه السوق.. يصبح شريكًا في صناعة السوق.. لكن هذه الجمعيات يجب ألا تكون لافتات معلقة على أبواب المكاتب.. ينبغي أن تكون مؤسسات حقيقية، مستقلة، منتخبة، شفافة، يحاسبها المزارعون أنفسهم.
مشروع الجزيرة… ذاكرة الماء والقطن:
وعندما نتحدث عن الزراعة السودانية، فإن اسم الجزيرة يأتي مثل قصيدة قديمة يعرفها كل سوداني.. فمشروع الجزيرة ليس مجرد أرض واسعة.. إنه ذاكرة اقتصادية واجتماعية، وواحد من أكبر المشاريع المروية في السودان.
لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.. فإعادة المشروع ليست أن نعيد القنوات كما كانت، ولا أن نعيد المحاصيل كما كانت، ولا أن نستعيد الماضي بصورة فوتوغرافية.. المطلوب أن نبني مشروعًا أكثر كفاءة، وأكثر عدالة، وأكثر قدرة على المنافسة.
مشروعًا يكون فيه المزارع شريكًا حقيقيًا، ويكون الماء فيه محسوبًا، والصيانة منتظمة، والتمويل متاحًا، والسوق حاضرًا قبل أن يصل المحصول إلى المخزن.. نحن لا نريد أن نعيد الجزيرة إلى الأمس؛ نريد أن نأخذ الجزيرة إلى الغد.
الماء… الحكاية الأخرى:
في السودان، لا يمكن أن نتحدث عن الزراعة دون أن نتحدث عن الماء.. النيل يجري، والمطر يهطل، لكن السؤال ليس دائمًا: هل لدينا ماء؟ السؤال الأصعب هو: هل يصل الماء إلى النبات عندما يحتاجه؟ فالقناة التي ابتلعها الطمي لا تنقل الماء بكفاءة.. والطلمبة التي لا تجد الطاقة تتوقف.. والشبكة التي لا تجد الصيانة تتحول مع الزمن إلى أثر من الماضي.. ولهذا فإن معركة الري ليست معركة البحث عن الماء فقط؛ إنها معركة إدارة الماء.. ولعلها إحدى أهم معارك السودان القادمة.. فالماء الذي لا يصل إلى الجذر في موعده، كالماء الذي لم يصل أصلًا.
والزراعة المطرية… حين يكون الرزق معلقًا في السماء:
في السودان مزارع آخر، أكثر صبرًا، وأكثر تعرضًا للمخاطر.. إنه المزارع المطري.. يضع بذوره في الأرض، ثم يرفع عينيه إلى السماء.. إذا جاء المطر جاء معه الأمل. وإذا تأخر، تأخر معه كل شيء.. وإذا انقطع في منتصف الموسم، أصبح كل ما أنفقه المزارع مهددًا بالضياع.. ولهذا لا يكفي أن نقول للمزارع المطري: إزرع.. علينا أن نعطيه بذورًا أفضل، وإرشادًا أفضل، وتمويلًا أكثر مرونة، وتأمينًا ضد مخاطر المناخ، وطرقًا ومخازن وأسواقًا.. لا يجوز أن نطلب من المزارع أن يقاتل وحده معركة المطر والسوق والتمويل في وقت واحد.
من الحقل إلى المصنع:
وإذا كان السودان يريد أن يجعل الزراعة قاطرة للاقتصاد، فعليه أن يتوقف عن النظر إلى المحصول باعتباره نهاية الرحلة.. المحصول هو البداية.. السمسم يمكن أن يصبح زيتًا.. والفول السوداني يمكن أن يصبح صناعة.. والقطن يمكن أن يصبح نسيجًا. والماشية يمكن أن تصبح لحومًا مصنعة وجلودًا ومنتجات ألبان.. والحبوب يمكن أن تغذي صناعة غذائية واسعة.
و هنا فقط تبدأ الزراعة في تحريك الاقتصاد الحقيقي.. فالحقل الذي يغذي مصنعًا، والمصنع الذي يشغل عمالًا، والشاحنة التي تنقل المنتج، والبنك الذي يمول الدورة كلها، هي عجلة اقتصادية واحدة.
ماذا نحتاج بعد الحرب؟
نحتاج إلى سياسة زراعية جديدة، لا إلى قرارات موسمية.. نحتاج إلى بنك زراعي أكثر قربًا من المزارع.. نحتاج إلى جمعيات منتجين قوية ومستقلة.. نحتاج إلى إعادة تأهيل مشاريع الري الكبرى.. نحتاج إلى إدارة أفضل للمياه.. نحتاج إلى تأمين زراعي يحمي المزارع من تقلبات المطر والمناخ.. نحتاج إلى طرق ومخازن وأسواق.. ونحتاج قبل كل ذلك إلى أن نضع المزارع في قلب القرار الزراعي.. فلا يمكن أن نكتب مستقبل الزراعة بعيدًا عن الذين يزرعونها.
عشر خطوات نحو الغد:
● جعل الزراعة محورًا أساسيًا في مشروع إعادة إعمار السودان.
● إعادة بناء منظومة التمويل الزراعي على أساس دورة الإنتاج لا القرض الموسمي فقط.
● تحويل البنك الزراعي إلى شريك حقيقي في الإنتاج والتسويق والتصنيع.
● تمكين جمعيات المزارعين من التمويل الجماعي والميكنة والتسويق.
● إعادة تأهيل مشروعات الري الكبرى، وفي مقدمتها مشروع الجزيرة.
● إنشاء نظام فعال للتأمين الزراعي.
● تحديث إدارة المياه والصرف الزراعي.
● إعطاء الزراعة المطرية اهتمامًا يتناسب مع حجمها وأهميتها.
● ربط الإنتاج الزراعي بالصناعة والتصدير.
● جعل المزارع شريكًا في القرار، لا مجرد منفذ له.
لنزرع السودان من جديد:
بعد كل هذا الخراب، ربما لا يحتاج السودان إلى معجزة.. قد يحتاج فقط إلى أن نعيد ترتيب أولوياتنا.. أن نعيد للمزارع أرضه، وللأرض ماءها، وللماء طريقه، وللمحصول سوقه، وللسوق مصنعه، وللمصنع عاملَه، وللعامل أجره، وللأسرة أمنها.. عندها تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران.
إن أعظم مشهد يمكن أن نراه بعد الحرب ليس فقط مدينة ترتفع مبانيها من جديد، بل قرية تعود إليها الحياة، ومزارع يعود إلى حقله، وجرار يشق الأرض، وقناة يعود إليها الماء، وبذرة صغيرة تشق طريقها نحو الشمس.. تلك البذرة قد تبدو صغيرة.. لكنها تحمل في داخلها وطنًا كاملًا.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يستورد مستقبله.. السودان يستطيع أن يزرعه.



