رأي

من ميناء أبو عمامة إلى ميناء من غير عمامة .. هل نحن أمام ميناء أقرع؟

 

 

عادل الرفاعي أبوالحسن

 

 

في خبر نُشره “المحقق” يوم السبت الماضي (26 سبتمبر 2026)، أُعلن عن تقدم الخطوات الخاصة بإنشاء ميناء جديد في منطقة أبو عمامة على ساحل البحر الأحمر، بالتعاون مع شركة صينية متخصصة في الموانئ، مع توقع اكتمال الدراسات و بدء قيام الميناء بحلول نهاية عام 2027.

 

و يعيد الإعلان اسم أبو عمامة إلى الواجهة، بعد أن ارتبط في عام 2022 بمشروع كبير قُدرت استثماراته بنحو ستة مليارات دولار، شمل ميناءً و مكونات اقتصادية و عمرانية و بنية أساسية واسعة، قبل أن تُلغى مذكرة التفاهم الخاصة به في 2024.

 

لكن أهمية أبو عمامة اليوم لا تكمن في إنشاء ميناء جديد فحسب، و إنما في فرصة أن نعيد التفكير في كيف تُصمم المشروعات الاستراتيجية منذ البداية.. فالمطلوب ليس مجرد رصيف للمناولة، و إنما ميناء نعرف منذ البداية دوره، و مواصفاته، و قدراته، و علاقته بحركة التجارة العالمية و بالاقتصاد السوداني.

 

الميناء الدولي .. من العالم إلى السودان:

 

الميناء الدولي لا ينبغي أن يُصمم وفق احتياجات السودان الحالية وحدها، و إنما من فهم حركة الملاحة العالمية، ثم تحديد موقع السودان و دوره فيها. فالبحر الأحمر جزء من شبكة عالمية للموانئ و خطوط الملاحة و الأسواق. ولذلك ينبغي أن تدخل في الدراسات حركة التجارة بين الشرق الأقصى و أوروبا، و بين أوروبا و شرق أفريقيا، و أحجام السفن و أنواعها، و ناقلات النفط الكبيرة، و اتجاهات الملاحة، و التطورات المتوقعة في البحر الأحمر و شرق البحر المتوسط.

 

و لا يكفي أن نقرأ التجارب من بعيد. ينبغي أن ندرس الموانئ الحديثة في العالم، و أن نستفيد من خبراتها في التصميم و التشغيل و المناولة و اللوجستيات، و أن نستعين بالخبرات العالمية المتخصصة منذ مرحلة الدراسات، كما ينبغي دراسة نماذج إنشاء و تمويل و تشغيل الموانئ، بما في ذلك الـBOT و الشراكات بين القطاعين العام و الخاص و غيرها، ثم اختيار الصيغة التي تثبت الدراسة ملاءمتها للسودان.

 

الميناء الدولي لا يُصمم من داخل السودان إلى العالم، و إنما من العالم إلى السودان، وعليه لا ينبغي أن نصمم أبو عمامة على حجم تجارة السودان اليوم، و لا على حجم التجارة في المنطقة وحدها، و إنما على حجم التجارة الدولية التي تمر عبر البحر الأحمر حالياً، و ما يمكن أن تصبح عليه مستقبلاً.

 

و الزراعة مثال واضح. فإذا كانت أمام السودان نهضة زراعية واسعة، فلا يجوز أن نصمم الميناء على حجم الإنتاج الزراعي الحالي، و إنما على ما يمكن أن يصل إليه الإنتاج مستقبلاً، و ما يحتاجه من تخزين و مناولة و شحن و أسواق و خطوط بحرية.

 

و كذلك إذا توسعت الخطوط البحرية السودانية، فينبغي أن تكون لها منذ البداية المساحات و المراسي و الخدمات المناسبة، و أن يظل التصميم قادراً على استيعاب ما يفرضه نمو التجارة من احتياجات جديدة ؛ و هذه ليست قاعدة للزراعة وحدها، و إنما منهج في التفكير ينطبق على كل مشروع استراتيجي: أن نصمم اليوم لما نريد أن نكون عليه غداً، لا لما نحن عليه اليوم.

 

ميناء متكامل و بنية أساسية للأجيال:

 

المطلوب أن يكون أبو عمامة ميناءً متكاملاً، يستقبل مختلف أنواع السفن و الأحجام المناسبة لطبيعته، و يوفر أنظمة متقدمة للمناولة و التفريغ و التحميل و التخزين و التعبئة، و يتعامل مع مختلف أنواع البضائع، و يوفر الخدمات البحرية و اللوجستية اللازمة؛ والأهم أن تُبنى بنيته الأساسية بمنظور بعيد جداً، بحيث تستوعب التوسع و التطور، بينما تتغير المعدات و التقنيات و أنظمة التشغيل مع تغير الملاحة و التجارة، فقابلية التوسع و الامتداد جزء من التصميم الأصلي، لا معالجة لمشكلة تظهر بعد التشغيل.

 

و إذا احتاجت الدراسة المتكاملة وقتاً كافياً، فذلك ليس تأخيراً للمشروع، و إنما استثمار في نجاحه و تجنب لتكاليف التعديل و إعادة التصميم لاحقاً.

 

المشروع الاستراتيجي لا يعيش وحده:

 

المشروع الاستراتيجي لا يعيش وحده، و إنما يعيش داخل منظومة؛ فالميناء يرتبط بالإنتاج و النقل و الطاقة و التخزين و الأسواق، و هذه المكونات يجب أن تُرى منذ البداية في صورة واحدة، لا أن تتم إضافتها بعد قيام المشروع.

 

و هنا تظهر أهمية التخطيط للمشروع و ما حوله و ما بعده، فلا نبني الميناء أولاً ثم نسأل كيف ستعمل بقية المنظومة، و إنما نضع الصورة كاملة أولاً، ثم نبني مكوناتها في تناغم واحد.

 

و هذه هي عقلية المنظومة: أن تنظر الدولة إلى مشروعاتها باعتبارها أجزاء مترابطة من اقتصاد واحد، بحيث يُخطط لكل مشروع وهو يعرف ما يتصل به، و ما يحتاج إليه، و ما يمكن أن يفتح الطريق أمامه، بدلاً من أن تعمل المشروعات في جزر منفصلة ثم نحاول ربطها بعد اكتمالها.

 

عندما يكون المشروع واضحاً يأتي الاستثمار:

 

المشروعات الكبيرة لا تحتاج بالضرورة إلى أن توفر الدولة كامل التمويل. فإذا كان المشروع واضحاً، و دراساته قوية، و إطاره القانوني مستقراً، و نموذجه الاقتصادي قابلاً للاستثمار، يمكن أن يجذب رأس المال و الخبرة من الداخل و الخارج؛ لذلك يجب أن يحدد السودان أولاً المشروع الذي يريده، و مواصفاته و مراحله و دراساته و إطاره القانوني، ثم يطرحه أمام العالم وفق قواعد واضحة، و قد يكون ذلك من خلال BOT، أو شراكة بين القطاعين العام و الخاص، أو صيغة أخرى تثبت الدراسة ملاءمتها.

 

و يحتاج ذلك إلى إطار قانوني واضح ينظم مدة الامتياز، و التعرفة و الرسوم، و حقوق التشغيل، و ضمانات التمويل، و تحويل العوائد و المستحقات وفق القانون و العقد، و تسوية المنازعات، و التزامات الصيانة و التوسع و التحديث؛ عندها يأتي المستثمر برأس المال و الخبرة إلى مشروع صممه السودان وفق رؤيته و احتياجاته، لا ليحدد للسودان ما الذي ينبغي أن يبنيه.

 

و هنا تصبح الشراكة وسيلة لتمويل و تنفيذ مشروع استراتيجي واضح، لا بديلاً عن الرؤية الوطنية للمشروع.

 

لقد انتهى وقت أن تعمل كل جهة على مشروعها بمعزل عن بقية المشروعات القومية. و من هنا تبرز الحاجة إلى جهة وطنية عليا للمشروعات الاستراتيجية، تتبع مباشرةً لرأس الدولة، و تنسق مع الوزارات و الجهات المختصة دون أن تحل محلها.

 

و لا تكون هذه الجهة وزارة جديدة تنافس الوزارات، و لا بديلاً عن أصحاب الاختصاص، و إنما تكون العين التي ترى خريطة المشروعات القومية كلها في وقت واحد: تربط بينها منذ مرحلة الدراسة، و تكشف نقاط الالتقاء بينها، و تحفظ مساحات التوسع للمستقبل، و تمنع أن يُنفذ مشروع اليوم بطريقة تعيق مشروع الغد، وظيفتها ليست أن تنفذ كل المشروعات، و إنما أن ترى الصورة الكاملة: ما الذي يتطلبه المشروع؟ و ما الذي يرتبط به؟ و ما الذي يمكن أن يأتي بعده؟ و كيف تتكامل مشروعات الدولة منذ البداية؟ فلكل مشروع صاحب اختصاص، و لكن للدولة أيضاً عين ترى الصورة كاملة، و هذا ليس تفكير وزارة منفردة، هذا تفكير دولة.

 

أبو عمامة و بداية طريقة جديدة:

 

يمكن أن تكون عودة أبو عمامة فرصة لبداية طريقة جديدة في تخطيط المشروعات الاستراتيجية في السودان: نبدأ بالدراسة، و نستفيد من الخبرة العالمية، و نفهم حركة التجارة، و نحدد ما نريد، ثم نضع الإطار القانوني و المالي و الاستثماري، و نربط المشروع بما حوله و ما بعده، و نختار النموذج الأنسب للتنفيذ و التمويل و التشغيل.

 

و لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف ننفذ المشروع بأسرع ما يمكن ، بل: كيف نبني المشروع الصحيح من أول مرة؟ فالمطلوب ليس ميناءً نفتتحه اليوم ثم نعود غداً لتعديله، و إنما بنية أساسية تضع الأساس الذي تستطيع الأجيال أن تطوره و توسعه و تحدث تقنياته، دون أن تضطر إلى إعادة بناء الأساس.

 

و هنا تتجاوز قصة أبو عمامة حدود الميناء. إنها دعوة إلى الانتقال من مشروع وراء مشروع إلى منظومة متكاملة، و من تفكير الجهة المنفردة إلى تفكير الدولة، و من تنفيذ ما هو متاح إلى تصميم ما نريده أولاً ثم طرحه على العالم.

 

نرى المشروع، و نرى ما حوله، و نرى ما بعده؛ فالميناء الحقيقي لا يُقاس فقط بما يحتويه يوم افتتاحه، و إنما بما يستطيع أن يصبحه بعد خمسين و مئة و مئتي سنة.

 

و من هنا قد تكون قيمة أبو عمامة أكبر من الميناء نفسه: أن يكون بداية لمرحلة يصبح فيها السودان قادراً على تصميم مشروعاته الاستراتيجية بعين ترى العالم، و عقل يرى الدولة، و رؤية ترى المستقبل.

 

نضع الصورة كاملة أولاً، ثم نبني مكوناتها في تناغم واحد، و عندها لا يكون أبو عمامة مجرد ميناء على البحر الأحمر، و إنما بداية لمنظومة وطنية ترى البحر، و ترى السودان، و ترى العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى