معزّزات السيادة والانعتاق الاقتصادي

د. حسن عيسى الطالب
جاءت زيارة الأمين العام للجامعة العربية للخرطوم بتاريخ 26 أكتوبر 2026م كدعم معنوي لجهود السودان في معركة الكرامة، واعترافاً بتقدم الجيش والقوات الشعبية المساندة في كافة مسارح العمليات، والاعتداءات الانتقامية الآيسة على الكهرباء والمرافق المدنية.
وللأسف فالجامعة العربية، التي انضم السودان لعضويتها منذ 19 يناير 1956م ليس لها أي دور مشرف في تناول قضاياه ولا أية قضايا عربية مشابهة، لا في ليبيا، ولا في اليمن، ولا الصومال. ولا في مسلسل التآمر على السودان منذ أبريل 2019م، ثم فضحتها مواقفها الباهتة، وصمتها الخانع، إزاء جريمة الإبادة البشرية في غزة منذ أكتوبر 2023م.
وفيما يتعلق بالحرب المفروضة على السودان منذ 15 أبريل 2023م فقد فشلت الجامعة العربية في إبرام وساطة نزيهة، واكتفت في أفضل الحالات بدور السكرتارية، وبالوقوف الحيادي السلبي من مبادرات عديد الدول، رباعية أو خماسية، أمريكية أو أوربية، وفضلت التماهي مع من يموّل برامجها المفتقرة للتمويل من أعضائها القانعين، وذلك على مبدأ وقاعدة:
رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده المال..
ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا..
مسألة السيادة الوطنية للدول لا تحتمل التأويل، ولا رضا أو غضب الآخرين، كائنا من كانوا. فالسودان للسودانيين، أولا وأخرا، قولا واحدا، ومبدأ ثابتا، فهم وحدهم من يقررون بشأنه، ويحددون طبيعة وشكل الدولة، ونمط الحكم الذي يريدون؛ وقد بذلوا دماءهم رخيصة مهراقة، وأموالهم المستباحة للذود عن وطنهم المصون، وتنادوا بالشعار الوطني الجامع: “جيش واحد، شعب واحد”، وقد صدقوا العهد وبلغوا القصد.
فالمطلوب الآن، وبعد زيارة الفريق أول البرهان، رئيس مجلس السيادة للإتحاد الفيدرالي الروسي، والمشاركة الفاعلة في اجتماعات القمة الروسية – الأفريقية، التي انعقدت بالعاصمة موسكو يومي 28 و 29 أكتوبر 2026 م، وكان شعارها: “السلم والأمن والتنمية” وأكد بيانها المشترك على “العمل على بناء دولي متعدد الأقطاب”؛ ومن تلقاء اللقاءات التي تمت ثنائياً مع قادة الإتحاد الروسي، ومع الرئيس فلاديمير بوتين، والتي اتفق جميع المراقبين على نجاحها وأهميتها الاستراتيجية، وبأنها تعتبر فارقة ومفصلية في تمتين هيكل وهرم العلاقات الثنائية بين السودان والإتحاد الروسي، ومن لدن تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، فالمطلوب هو أن تستتبع منتجات هذه الزيارة بخطط استراتيجية قاصدة، تتضمن إعداد خارطة طريق، يشارك فيها الخبراء المختصون من أبناء الوطن المخلصين في التخصصات المختلفة.
كذلك يتعين أن يستتبع هذا التحرك المفصلي السعي الحثيث لتشكيل المجلس القومي للمشورة الشعبية (البرلمان القومي) وأن يتم ذلك عبر التوافق والتراضي العام بين كافة القواعد الشعبية على المستويات المحلية والولائية والقومية، تأكيدا واحتراما للدستورية المؤسسية، ولتعزيز سلطة حكم الشعب خلال المرحلة الانتقالية، ريثما يُصار لتشكيل المؤسسات الانتخابية المعتمدة، وتسجيل الأحزاب السياسية، وفق القواعد التي تتطلبها مرحلة ما بعد معركة الكرامة، والتي تلي إعادة الإعمار، وتتوافق مع مقتضيات الواقع والدستور والممارسات الموثوقة.
ومن هذا المنحى، فالمطلب الآني المُلحّ هو السعي لتوحيد كافة فئات الشعب، وجمع الكلمة الوطنية تحت مبدأ: “الوطن أولا”، ونبذ دعاوى التناحر والتناجش، وطمر بؤر الضرار الآسنة، الساعية لتأجيج الفرقة والفتن والتشظي والتربص، وعبر اختراق دواوين الدولة، وتشكيلات الطابور الخامس.
ينبغي أن يكون الشرط الأساسي للمشاركة السياسية، وفي إدارة برامج إعادة البناء والتعمير، هو البراءة من العمالة والارتزاق، والطهارة من الجرائم التي تخلّ بالشرف والأمانة.
ولتأكيد هذا التوجُّه القاصد، ولضمان نجاح مسيرته، يتعين أن يصدر قرار سيادي بانضمام السودان لمجموعة بريكس BRICS لتأكيد الانعتاق من قبضة الدولار الآسرة، والعقوبات الأحادية الجزافية، التي كبّلت الاقتصاد والتنمية في السودان منذ عام 1997م، وعبر استنتاج التآمر المستمر على البلاد من المتربصين الآبقين. ونظرا لأن مجموعة بريكس تعتبر بمثابة التكتل السياسي والاقتصادي الأوحد الممثل لدول الجنوب الكوني Global South وبأنه يمثل أول مفاصلة مؤسسية على المستوى الدولي، وكتنظيم بديل للمنظومة التي تأسست بعد هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وإثر انهيار ألمانيا واليابان، وفرض هيمنة وإرادة المنتصرين بعد عام 1945م بما أفضى لتمكين وفرض مناهج الرأسمالية الغربية، وفروض الدول ذات الأغلبية المسيحية، وأنظمتها السياسية والقانونية، بقيادة أمريكا وبريطانيا وفرنسا مع الإتحاد السوفيتي، وبتشكيل نظام دولي يقوم على فرض إرادة المنتصر.
وقد كانت الدول المشاركة في توقيع الميثاق الأممي المؤسس للأمم المتحدة وقتئذ، زهاء الخمسين دولة، أي حوالي 20% من العضوية الحالية للأمم المتحدة.
وكانت كل دول أفريقيا، باستثناء ليبريا وإثيوبيا، تحت نير الاستعمار الغربي.
ولعل المناسبة تتعزز رمزيتها السياسية والدبلوماسية في أن الإتحاد الروسي هو أحد أضلاع الخماسي المؤسس للبركس، والذي يضم الصين والهند البرازيل وجنوب أفريقيا. كما أن روسيا استضافت الاجتماع الأول لقمة المجموعة عام 2009م بمدينة يكاترينبورغ، ثم انضمت إليه جمهورية مصر واثيوبيا الجارتان للسودان.
فالاتفاقات الثنائية وانضمام السودان لهذه المنظمة الدولية يمكنه من التعامل مع الدول الأربع وعشرين الأعضاء في الإتحاد الفيدرالي الروسي، ويوسع سوح التبادل التجاري والاقتصادي والمالي مع الأعضاء الآخرين في المجموعة، ويمكنه من التعامل بالروبل الروسي، واليوان الصيني، والروبية الهندية، والراند الجنوب أفريقيا والريال البرازيلي، وكافة عملات الدول الأعضاء الأخرى. كما أن بنك بركس للبنيات التحتية يمكن أن يسهم في تمويل البنيات التحتية والمشاريع القارية التي يطلع بها السودان في دعم التكامل القاري عبر وكالة النيباد للتنمية وتفعيل الدور الوطني للأمانة القومية لنيباد والآلية الأفريقية لمراجعة النظراء في مجال الحكم الراشد والحوكمة.



