الآثار النفسية للحرب .. الصدمة النفسية الجماعية والمجتمع السوداني (2-3)

د. أحمد عبد الباقي
تحدثت الحلقة الأولى عن الصدمة النفسية الجماعية، وهي التجربة المؤلمة التي يتعرض لها عدد كبير من الأفراد في آنٍ واحد بسبب حدث كارثي أو نزاع أو حروب أو كارثة طبيعية. وقد أثبتت الدراسات الحديثة أن آثار الصدمات الجماعية تمتد إلى ما بعد الأفراد لتشمل النسيج الاجتماعي والثقافي للمجتمع المتأثر بالحرب.
ونظراً للآثار السالبة لتلك الفظائع على وحدة المجتمع ونسيجه وسلمه الاجتماعي وهويته السياسية والوطنية، يصبح من الضروري معرفة تلك الآثار وكيف تتشابك مع العوامل الثقافية والدينية والاجتماعية لتكوِّن صورة معقّدة عن المعاناة النفسية الجماعية للمجتمعات التي تتعرض للحروب ومنها المجتمع السوداني؛ إذ تؤثر الصدمة الجماعية على جمع كبير من شرائح المجتمع مما يغير من الهوية المشتركة، والترابط المجتمعي، والثبات الوجداني على كافة مستويات المجتمع وشرائحه المختلفة، والوضع السياسي للدولة لفترة ما بعد الحرب. إن بعض ما رصد من آثار الصدمة النفسية الجماعية بسبب الحرب يشمل أبعاداً نفسية واجتماعية وتحولات سياسية تتشكل بسبب هذه الصدمة الجماعية.
الآثار السلبية للصدمة النفسية الجماعية بسبب الحرب:
تتسبب الصدمة النفسية الجماعية في نوع من الاضطرابات النفسية الممتدة مثل: القلق الوجودي (الشعور بالضياع والوحشة والتهديد، حيث يكون مصدر الخطر غير مرئي وغير ملموس)، الحزن والقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) بين السكان الذين مزقتهم الحرب، الذنب الجمعي، والشعور بالخذلان من الدولة أو الجماعة. كما تسبب الصدمة الجماعية نوعاً من مشكلات الصحة العامة، حيث تزيد الإصابات الجسدية والعجز والحالات المرضية المزمنة التي تنتشر في مناطق النزاع.
اجتماعياً: تؤدي آثار قوة الصدمة النفسية الجماعية إلى تفكيك الأنسجة الثقافية والاجتماعية التي تُعضِد وحدة المجتمع؛ لأن الحرب لا تفرِّق بين صغير وكبير، أو بين مهنة وأخرى، فهي تقتلع الشيوخ، وتعطّل الأشكال التقليدية للحكم والنظام الاجتماعي. تقود هذه الصدمة إلى انهيار الثقة بين الأفراد والمؤسسات، وتفشي الخطابات الانعزالية أو الطائفية، وانتشار الشعور بالعجز، مما يؤدي غالباً إلى تآكل رأس المال الاجتماعي (قدرة الأفراد على العمل معاً داخل شبكة من العلاقات المشتركة التي تؤدي إلى تعظيم قيمة العمل الجماعي وتحقيق الترابط الاجتماعي والقدرة على التواصل والاندماج والثقة في الآخرين، وهو أقرب ما يكون إلى الغراء الذي يشد أطراف المجتمع ويمنعه من الانهيار)، تفشي الهشاشة الاجتماعية المزمنة وهي حالة من الشك المتبادل، الانكفاء على الهويات الفرعية، وإضعاف آليات التضامن المدني.
يلاحظ أن المجتمعات الخارجة من الصدمات الاجتماعية تعيش نوعاً من “إعادة تعريف الذات الجمعية”، إذ تعيد التفكير في سرديتها، وقيمها وتحالفاتها، بل وأحياناً في مفهومها للدولة والأمة. ولذلك فإن تحليل الصدمة النفسية الجماعية لا يجب أن يحصر في بعدها العلاجي، بل ينبغي النظر إليها كأداة تفسيرية لفهم التحولات العميقة في بنيات المجتمع.
تواجه المجتمعات التي تعود إلى السلام تحدي إعادة بناء قيادتها وهياكلها الجماعية مع احتمال فقدان جيل كامل، أو تدمير القيادة المدنية، مما يجعل مسار إعادة بناء الحكم المجتمعي والتماسك مليئًا بالصعوبات، ولربما امتد صدى الصدمة النفسية الجماعية عبر عدة أجيال، إذ تتسرَّب آلام وذكريات وعواقب الحرب إلى نسل الناجين؛ فيرث الأطفال الذين وُلدوا بعد الصراع إرثًا من الألم لم يختاروه، ولكنهم يحملون ندوب التاريخ في تراثهم الثقافي وهذا أخطر ما في الأمر ما لم تكثف وتسرع سبل الاستجابة للصدمة النفسية الجماعية.
تؤدي آثار الصدمة النفسية الجماعية بسبب الحرب إلى إعادة تشكيل الهوية والانتماء السياسي للأفراد والمجتمعات، وربما تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، بين الجماعة والآخر، وبين الماضي والحاضر. ولعل ذلك يمر بمخيلة كل سوداني تأثر بالحرب، حيث يفكر في تاريخ البلد السياسي الماضي والحاضر، ويحمل هم المستقبل في ظل تعقد مشكلة الحرب بين الداخل والخارج. ومن أخطر تجليات إعادة تشكيل الهوية هو اهتزاز الثوابت -عند السودانيين- مثل الانتماء الوطني، والثقة بمؤسسات الدولة، والإيمان بالوحدة الاجتماعية؛ حيث يرى الأفراد أن الإطار أو الدولة التي كانت تحدد من هم لم تعد قادرة على احتوائهم أو تفسير معاناتهم، وربما يقود ذلك إلى الانكفاء على الهويات الفرعية مثل العشيرة والطائفة أو الإثنية لتعويض غياب الهوية الوطنية أو انهيارها. ولعل تجليات ذلك بدأت تظهر فيما يعرف بالحواضن الاجتماعية، خاصة في مناطق التماس القبلي والمناطق التي ترزح تحت نير ونيران قوات الدعم السريع.
يتواصل …..



