رأي

من وحي الهجرة .. التقويم الهجري وأهميته في العبادات

د. أحمد عبد الباقي

احتفل المسلمون بالأمس بالسنة الهجرية الجيدة في غرة محرم 1447 هجرية، التي صادفت يوم 26 يونيو 2025 ميلادية، ولأهمية هذا اليوم اتفق الصحابة عليهم رضوان الله أن تُربط السنة الأولى من التقويم الهجري الذي اتخذه الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بالهجرة النبوية التي كانت 12 ربيع الأول التي تصادف 24 سبتمبر عام 622 ميلادية، واتفقوا أن تكون بدايتها في الأول من محرم من كل عام هجري؛ لأنه يأتي بعد انتهاء موسم الحج، ويمثل بداية أعمال جديدة للعرب حينها. من هنا نبعت أهمية أن يكون للإسلام تقويم خاص به كما للأمم الأولى مثل الرومان والفرس والصينيين وغيرهم من الأمم الغابرة التي سبقت مجيء الإسلام.

التقويم الهجري قمري رباني سماوي كوني توفيقي، وليس للفلكيِّين سلطان على أسماء الشهور القمرية، ولا على عددها أو تسلسُلِها أو أطوالها، وإنما يتم كل ذلك في حركة كونية ربانية، وحُدِّد عدد الشهور السنوية في كتاب الله القويم، قال تعالى “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ” (التوبة: 36)، وفي الوقت الذي عبث فيه الفلكيون بتقاويم الأمم الأخرى في كل جزئية من جزئياتها، فإنه لا سلطة لهم، أو لغيرهم على التقويم القمري سواء من ناحية تغيير أسماء الشهور أو موقعها أو زيادة أو نقصان عدد أيامها. وتأسيساً على ذلك يعد التاريخ الهجري أُس معرفة مواقيت ممارسة الشعائر الدينية الإسلامية ومظهراً من مظاهر الحضارة الإسلامية، وترتبط به ممارسة مواقيت العبادات مثل: الصلاة الحج، الزكاة والصوم وأحكام النساء الفقهية (مثل عدة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها وعدة النفاس الخ…..؛ وبالتالي أحكام الطهارة والصلاة والصوم للنساء الخ.) وغيره من شعائر الإسلام التعبدية التي تقع وفقاً للتوقيت الهجري، ويترتب عليها شروط صحة الأداء؛ وبالتالي أمر الثواب والعقاب.

اليوم في العرف الشرعي وفقا للتقويم الهجري
بناء على التقويم الهجري، وعُرف الشريعة الإسلامية، فإن الليلة تتبع اليوم الذي بعدها، وليس اليوم الذي قبلها، والشواهد على ذلك كثيرة، وأظهرها ما يراه الناس في مواسم العبادات، فمثلاً: رؤية هلال رمضان تعني دخول الشهر، وتلاحظ أن تلك الليلة تعتبر من رمضان، ويصلي فيها المسلمون صلاة التراويح، رؤية هلال عيد الفطر تعني انتهاء رمضان ودخول شهر شوال، فيترك المسلمون في تلك الليلة صلاة التراويح، وكذلك إذا جاء في النص الشرعي ذكر ليلة الجمعة، أو ليلة العيد، أو غيرها فالمقصود بها الليلة في العرف الشرعي، يقول الإمام القرطبي رحمه الله – في تفسير قوله تعالى: “وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثلاثين لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً”(الأعراف:142)، دلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام، لقوله تعالى: (ثَلاثِينَ لَيْلَةً)؛ لأن الليالي أوائل الشهور، وبها كان الصحابة – رضي الله عنهم – يخبرون عن الأيام، حتى روي عنهم أنهم كانوا يقولون: صمنا خمساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعجم تخالف في ذلك فتحسب بالأيام؛ لأن معولها على الشمس” (الجامع لأحكام القرآن”:7/267).

العمل بالتقويم الهجري في العالم الإسلامي
رغم أهميته، إلا أن التاريخ الهجري تعرض للإزالة من حياة المسلمين، واستمر تجهيل الشعوب الإسلامية به قرونًا متوالية؛ ففي القرن الثامن عشر الميلادي عندما أرادت الدولة العثمانية تحديث جيشها وسلاحها، طلبت مساعدة الدول الأوروبية (مثل فرنسا، وألمانيا، وإنجلترا… إلخ)، فوافقوا على مساعدتها بشروط منها: إلغاء التقويم الهجري في الدولة العثمانية، فرضخت لضغوطهم، وفي القرن التاسع عشر عندما أراد خديوي مصر أن يَستقرض مبلغاً من الذهب من إنجلترا وفرنسا لتغطية مصاريف فتح قناة السويس، اشترطتا عليه ستة شروط منها: إلغاء التقويم الهجري في مصر، فأُلْغِي سنة 1875م، وأثناء فترة وقوع أغلب الدول الإسلامية في براثن الاستعمار الغربي، حرص الأخير على التعتيم على كل ما هو إسلامي، واستمر الحال كما هو عليه في أغلب الدول المسلمة بتأثير المناهج الغربية الاستعمارية، والاعتماد على التقويم الميلادي، وهكذا غاب التقويم الهجري عن معاملات المسلمين، وبقي تذكره بشهور العبادات والاحتفاء السنوي بذكرى الهجرة كل سنة.

على الدول المسلمة إعادة العمل بالتقويم الهجري إلى جانب التقويم الميلادي، حتى لا يصبح أمر التقويم الهجري مرتبطاً بأشهر معلومة والاحتفاء به سنويا، ومع كثرة الانشغال والهجوم الشرس من أعداء الإسلام نخشى أن يأتي زمان يعتمد فيه النشء على ربط العبادات بالتقويم الميلادي مع العلم أن أربعة من أركان الإسلام (الصلاة، الزكاة، صوم رمضان وحج البيت) تُعرف مواقيتها بالتقويم الهجري وكذلك بداية ونهاية اليوم في العرف الشرعي، حرياً بالمسلم أن يعي ذلك خاصة في زمن ساد فيه التعامل بالتقويم الميلادي في عصر التقنية المتسارعة وارتباط معظم معاملات الناس اليومية في بلاد المسلمين والعالم الخارجي به؛ ومن هنا يجب تذكير الأبناء والأجيال الناشئة خاصة بأهمية التقويم الهجري في حياتهم والتعرف عليه، وعلى موقعه من الإسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى