رأي

تعليقاً على قرار الإدارة العامة للمباني بولاية الخرطوم بشأن وقف أعمال الهدم والترميم دون تصاريح مسبقة

د. نادر محمد حسنين يوسف **

في ظل واقع ما بعد الحرب، حيث يُقدَّر عدد المنازل المتضررة في ولاية الخرطوم بالآلاف، أصدرت الإدارة العامة للمباني تعميمًا مفاجئًا يمنع تنفيذ أي أعمال ترميم أو صيانة أو إعادة تأهيل – سواء للمباني العامة أو الخاصة – دون الحصول على تصريح فني مسبق من الجهة المختصة.

ورغم أن القرار قد يستند إلى دوافع تتعلق بسلامة المنشآت وحماية الأرواح، إلا أنه يثير تساؤلات جوهرية حول مدى واقعيته، والقدرة على تطبيقه، وتأثيره الفعلي على جهود التعافي وإعادة الإعمار:

*أولًا: القدرة البشرية والفنية لتطبيق القرار*
من غير الواقعي افتراض أن الإدارة العامة للمباني، وهي إدارة محدودة الموارد والإمكانات، تمتلك الكادر الفني الكافي لتقييم هذا العدد الضخم من المباني المتضررة. الأهم أن غالبية الأضرار تُصنَّف كأضرار طفيفة أو سطحية، ويمكن التعامل معها بواسطة مقاولين مؤهلين أو مهندسين خريجين دون الحاجة لإجراءات مطوّلة من الإدارة.
وإذا افترضنا – بتفاؤل – أن لدى الإدارة خمس فرق هندسية تعمل على مدار الساعة، وتقوم كل منها بفحص 3 إلى 4 مبانٍ يوميًا، فإن تغطية كل المباني المتضررة ستستغرق آلافًا من أيام العمل، أي ما قد يعادل 3 إلى 5 سنوات على الأقل.
وهذا لا يشمل المباني التي تتطلب اختبارات متقدمة أو تقييمات هندسية دقيقة، تشمل إعادة نمذجة للهيكل، مما قد يستغرق أسابيع أو أشهر، وتتطلب فرقًا فنية ومعدات متخصصة لا تتوفر للإدارة أصلًا، وليست من نطاق عملها.

*ثانيًا: الدور المنتظر من حكومة الولاية:*
في ظل الأزمة الإنسانية التي يعيشها المواطنون، من المنتظر أن يكون دور حكومة الولاية هو تسهيل عودة السكان إلى منازلهم، لا تعقيد الأمر بإجراءات بيروقراطية وتكاليف إضافية.
تجارب إعادة الإعمار الناجحة – سواء إقليميًا أو عالميًا – تؤكد أن تبسيط الإجراءات وتقليل التدخلات الإدارية إلى الحد الأدنى أمرٌ بالغ الأهمية، خاصة في المراحل الأولى.

الحل الأفضل هو نافذة موحدة تتكامل فيها تصاريح البناء والخدمات، وتسهل الوصول للمواطن والمهندس على حد سواء.

*ثالثًا: غياب التحديد الفني في القرار*
القرار – بصيغته الحالية – لم يُميّز بين الحالات البسيطة والحرجة، ما جعله عامًا ومربكًا. وكان الأجدر أن يُحدد بوضوح الحالات التي تتطلب فعلاً موافقة فنية مسبقة، مثل:
• المباني التي تعرضت لحرائق مباشرة.
• المباني التي أصيبت بقذائف أو انفجارات قريبة.
• المنشآت التي لحقت بها أضرار في عناصرها الهيكلية مثل الأعمدة أو البلاطات أو الجسور.
• المباني ذات الجدران الحاملة التي تعرضت لانهيار جزئي أو كلي.
• المباني التي ظهرت بها هبوطات أو تشققات إنشائية خطيرة.

أما الحالات الأخرى – كالأضرار السطحية أو الترميمات غير الهيكلية – فيجب تصنيفها ضمن أعمال الصيانة البسيطة، والتي لا تستوجب التصريح في ظل هذه الظروف الاستثنائية.

*رابعًا: عوائق إضافية أمام التنفيذ*
الإدارة العامة للمباني لا تمتلك أجهزة الاختبارات غير الإتلافية (NDT)، كما أنها غير مرخصة لإجراء هذا النوع من التقييمات المتخصصة. فضلًا عن ذلك، تعاني البلاد من نقص حاد في الكفاءات الهندسية المؤهلة، خصوصًا بعد مغادرة عدد كبير من الاستشاريين بسبب الحرب.
بعض الهياكل المتضررة تتطلب خبرات نادرة كانت محدودة حتى قبل النزاع، والآن بات من الصعب جدًا توفرها داخل السودان لمعالجة الاعداد الكبيرة من المبانى المتضررة.

*خامسًا: التوصية الفنية العملية*
كان من الأجدى أن يُرفق القرار بـقائمة فنية واضحة تحدد نوع الضرر المطلوب تقييمه، ونوع الخبير المناسب له، وذلك حسب التصنيف التالي:
• صيانة سطحية أو معمارية بسيطة → توقيع مهندس خريج.
• أضرار متوسطة في التشطيبات أو الجدران → توقيع مهندس أخصائي.
• أضرار هيكلية حرجة → تقرير من استشاري معتمد مرفق بنتائج اختبارات NDT.

*سادسًا: أهمية الإرشاد بدلًا من التعطيل*
بدلًا من فرض القيود، كان من الأفضل أن تساهم الإدارة في نشر الوعي الفني وتعميم إرشادات مكتوبة وعلمية توضح للمهندسين آليات التقييم وإعادة التأهيل حسب نوعية الضرر.
ويمكن إلزام المهندسين بإعداد تقرير تقييم للضرر يُرفق مع أعمال الصيانة لأغراض التوثيق، دون أن يتطلب ذلك تدخلًا مباشرًا من الإدارة إلا في الحالات الحرجة.

كما يمكن إطلاق منصة إلكترونية بسيطة لتقديم التقارير ورفع الوثائق، لتسهيل الإجراءات وتخفيف الضغط على المواطنين والمهندسين في هذه المرحلة.

نية القرار في الحفاظ على سلامة المواطنين مفهومة ومقدّرة، لكن طريقة تطبيقه الحالية غير واقعية، وتفتقر إلى المرونة والتدرج الفني.
إعادة صياغته بما يتماشى مع التصنيف الفني للأضرار، وواقع الإمكانات المتاحة، يمكن أن يؤدي إلى توازن فعّال بين السلامة العامة وضرورة تسريع جهود التعافي العمراني.

المطلوب الآن ليس التعطيل تحت مسمى التنظيم، بل التيسير بضوابط واضحة وفعالة.

** مهندس استشاري إنشائي
مدير الهيئة الاستشارية.
جامعة الخرطوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى