الأمن المجتمعي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع

عقيد شرطة(م) عوض عبد الرحمن خليفة
لم يعد مقبولًا أن تتحمل الدولة وحدها مسؤولية كل شيء، من الأمن والتعليم والصحة، إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية. هذا النموذج المركزي أثبت فشله، لأنه يُنهك الدولة، ويُعطل طاقات المجتمع، ويُنتج مواطنًا سلبيًا ينتظر الحلول من فوق، والنتيجة هي تغوّل دولة بيروقراطية تتضخم وظائفها بينما تتآكل وظيفة وقدرة المجتمع على النهوض بنفسه.
الأمن المجتمعي بمفهومه الشامل لا يعني فقط منع الجريمة أو الحفاظ على النظام، بل يشمل الشعور العام بالأمان، والتكافل، والانتماء والعدل، والمبادرة الفردية والجماعية في خدمة الناس. وهذا الأمن لا تصنعه الدولة وحدها، بل يُبنى من القاعدة: من الأسرة، من الحي، من المؤسسات المحلية، من المبادرات التطوعية، من جمعيات المجتمع المدني، من كل يد تشتبك في البناء لا في التواكل.
لست بصدد الدعوة إلى الخصخصة، بل إلى إعادة التوازن: الدولة يجب أن تنسحب من التفاصيل، وتعود إلى دورها الأصلي كمنظم وضامن للحد الأدنى من الحقوق، ومراقب لضمان العدالة وعدم الاستغلال. أما المجتمع، فعليه أن يستعيد زمام المبادرة. لا يكفي أن ننتقد القصور الحكومي، بل يجب أن نملأ الفراغ بأنفسنا. المبادرات التطوعية في التعليم، العيادات الخيرية، أنشطة الدعم النفسي، العمل المجتمعي المنظم، كلها أدوات لبناء أمن حقيقي، نابع من الداخل، لا مفروض من الأعلى.
تفريغ المجتمع من أدواره يجعل الدولة وحشًا متضخمًا، بينما تذبل روح المجتمع. نحن بحاجة إلى العكس: دولة أصغر، مجتمع أقوى. دولة تحمي، لا تبتلع. ومجتمع يبادر، لا ينتظر.
من أكبر الأوهام التي تسكن العقل المجتمعي الحديث، أن الدولة هي المنقذ الوحيد، والمُزوّد الحصري لكل الخدمات، من الأمن وحتى إصلاح أعمدة الكهرباء. هذه المركزية المطلقة في الأداء أدّت إلى نتيجتين متلازمتين: تضخم بيروقراطي خانق، وتآكل مزمن في وظائف المجتمع. ما لا يدركه كثيرون أن أخطر تهديد للأمن ليس الجريمة المنظمة، بل تراجع المبادرة المجتمعية وتحوّل المواطنين إلى متفرجين ينتظرون التدخل من “جهات الاختصاص”.
نحتاج إلى إعادة تعريف للأمن المجتمعي، لا كحالة عسكرية أو بوليسية، بل كمظلة أوسع تشمل الشعور العام بالأمان، العدالة، الترابط، والقدرة على التعاون والاستجابة الذاتية. وهذا لا تبنيه الدولة وحدها، بل يُبنى من القاعدة عبر تفعيل دور المجتمع، من الأفراد إلى مؤسساته.
حينما تتضخم وظائف الدولة لتشمل كل مناحي الحياة، فإنها تسحب البساط من تحت أقدام المجتمع، فتقوّض قدرته على التنظيم الذاتي. تتحوّل العلاقة من شراكة إلى وصاية. وفي النتيجة، تفشل الدولة في إدارة التفاصيل، بينما يتراجع الحس المجتمعي بالمسؤولية. هذا الوضع لا ينتج “أمانًا”، بل هشاشة مغلّفة بمظاهر بيروقراطية جوفاء.
الدولة ليست قدرًا مقدّسًا، بل كيان من المفترض أن يكون محدد الوظائف: يُشرّع، يُنظم، يُراقب العدالة، ويضمن عدم تغوّل القوي. أما التنفيذ التفصيلي، فالأصل أن يتولاه المجتمع عبر أدواته: مؤسسات، مبادرات، شبكات علاقات، تكافل، تطوع، تعاون.
*ما المقصود باستعادة المجتمع لوظائفه؟*
لا أتحدث عن الخصخصة، ولا عن ترك المواطنين بلا حماية أو دعم. بل أتحدث عن نموذج يوسّع المساحات التي يتحرك فيها المجتمع بإرادته، عبر:
●. المبادرات التطوعية
●.الشرطة المجتمعية
●. التأمين التعاوني
● . التأمين الذاتي
●.فض النزاعات بالعرف المحلي
●.إدارة الموارد العامة تشاركيا.
هذه الأنواع من الحضور الاجتماعي لا يُضعف الدولة، بل يريحها من الأعباء غير الضرورية، ويجعلها أكثر كفاءة في أداء وظائفها الجوهرية.
لكن ذلك بالطبع يتطلب مجتمعاً واعياً وقادراً على الاضطلاع بمسؤولياته و واجباته بكفاءة واقتدار مع توافر قيادات مجتمعية فاعلة تقود هذا الحراك.
*تجارب حيّة: الأمن المجتمعي في الواقع*
1. الشرطة المجتمعية:
هذا النموذج مطبق في كثير من دول العالم، حتى داخل المجتمعات الغربية المتقدمة. يقوم على إشراك السكان في حفظ الأمن، عبر بناء علاقة تعاون بين الشرطة والسكان، لا علاقة سلطة ورهبة. الهدف ليس الردع فقط، بل الوقاية، وبناء ثقة متبادلة، والتبليغ المبكر، والتدخل قبل تفاقم المشاكل.
هناك تجارب ناجحة في الأردن والمغرب والإمارات بدأت بتفعيل هذا النموذج ضمن نطاقات محلية محددة، وعندنا في السودان أثبتت تجربة الشرطة الشعبية نجاحاً كبيراً و أنشأت لها الشرطة العامة إدارة منفصلة في هيكل الشرطة ونقلت لها كوكبة من الضباط أصحاب الكفاءة العالية والخلق القويم لتولي الجوانب الفنية من تدريب وإشراف وخلافه و خلقت وظائف لمدنيين كمنسقين بين الشرطة والمجتمع فكانت تجربة ناجحة بكل المقاييس حيث أظهرت أن المجتمع قادر على تنظيم أمنه إذا مُنح المساحة والثقة وأظهرت أن الأمن يمكن أن يُدار بكفاءة خارج الجهاز الحكومي، خاصة في حماية المنشآت والمرافق الأمر الذي خفف العبء علي الأجهزة الأمنية واستفادت من أفرادها الذين كانوا يقومون بهذه الأدوار في عملها الأساسي مكافحة الجرائم وتطبيق القوانين وتقديم الخدمات الأخرى التي يحتاجها المواطنون في تسيير حياتهم إضافة إلى أنها – أي تجربة الشرطة الشعبية – خلقت وظائف كثيرة لأنها كانت تعمل بنظام التفرغ الكامل والجزئي، و زادت من الاحترافية ورفعت الحس الأمني المجتمعي، ورغم ما شاب التجربة من فوضى وقصور أحيانًا، لكنها أثبتت فكرة مهمة: أن الناس حين يشعرون بأن أمنهم مهدد، يمكنهم بشكل تلقائي تنظيم أنفسهم لحماية أحيائهم، وحفظ أمنها بشرط أن يكون ذلك في إطار قانوني ومؤسسي واضح.
فالشاهد أنه لا يمكن للأمن أن يُبنى بقبضة الدولة وحدها، ولا أن يُترك للفوضى. الحل هو الشراكة الذكية: دولة تضبط الإطار العام، ومجتمع يبادر ويدير التفاصيل. هذا لا يعني إطلاق يد الميليشيات أو العشوائيات، بل بناء مؤسسات أهلية قوية، وخلق ثقافة من التعاون والتكافل واليقظة المجتمعية، كما أن تقليص وظائف الدولة لا يعني الانسحاب، بل التركيز. وعودة المجتمع إلى لعب دوره لا تعني الفوضى، بل النضج. الأمن الحقيقي لا يأتي من فوق، بل ينبع من داخل المجتمع حين يشعر الناس أنهم مسؤولون – لا مجرد رعايا ينتظرون التعليمات.
*واقع ما بعد حرب الكرامة*
أفرزت الحرب علي الدولة ومؤسساتها والمجتمع، بتدبير من دويلة الشر الإمارات وربيبتها قوات الدعم السريع ، واقعاً مريراً تمثل في تدمير شامل للبنية التحتية ومؤسسات الدولة خاصة أجهزتها الأمنية التي فقدت كثيراً من قواها البشرية والمادية من مقار ومعدات وآليات كانت تؤدي بها أدوارها في حفظ الأمن واستقراره وأدت إلى نقص كبير في قوتها البشرية أما بالاستشهاد أو الأسر أو الهروب أو العجز بسبب إصابات العمليات ، هذا العجز أثر في قيام هذه الاجهزة بواجبها بالشكل المطلوب تجاه حفظ الأمن الذي تفاقم انفلاته بسبب انتشار السلاح وفقد كثير من القطاعات من أصحاب المهن البسيطة لأعمالهم بسبب توقف عجلة الإنتاج والاقتصاد فلجأ ضعاف النفوس منهم الي النهب والسلب مستغلين السيولة الأمنية التي أفرزتها الحرب بغياب مؤسسات الدولة التي استهدفها العدوان في بداياته الأمر الذي ضاعف من مسؤوليات الأجهزة الأمنية برغم ضعف امكانياتها، هذا الواقع يفرض علي المجتمع بل أصبح لزاما أن تتكامل وتتناصر جهود المجتمع مع جهود الجهات الرسمية لملء الفراغات الناتجة عن الحرب .
الدولة من جانبها أعادت تأسيس الشرطة الشعبية تحت مسمي الشرطة المجتمعية وعينت ضباط وأفراد وتبقي الشق المدني وهذا يحتاج من المجتمع التقدم خطوة والمجتمع يحتاج إلى قيادة ملهمة فاعلة يفتقدها الآن ممن لهم سابقة تجربة في العمل المجتمعي، وأشير هنا إلى أن بعض المناطق في شرق النيل و مناطق الرميلة والقوز واللاماب قد شرعت في تنظيم نفسها بإشراف الشرطة باستدعاء من لهم سابق خبرة في العمل التطوعي والمجتمعي والانخراط في تأسيس لجان الشرطة المجتمعية.
هذا هو الحل الوحيد للواقع الذي أفرزته الحرب، فبدلاً من لعن الظلام فليتحرك الجميع لإيقاد الشموع بتفعيل وظائف المجتمع في مجال أمن المجتمع.



