أحزاب السودان بين الرفض والتجديد: هل آن أوان التأسيس الجديد؟

د. إسماعيل ساتي
في ظل الأزمة الوطنية العميقة التي تعصف بالسودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش والمتمردين، تجدد الجدل القديم حول الدور الذي لعبته الأحزاب السياسية في تشكيل مصير البلاد، سواء خلال فترات أنظمة الحكم المدني أو في ظل أنظمة الحكم العسكري. وبينما تتوالى مشاهد الانهيار السياسي والاجتماعي، يجد السودانيون أنفسهم موزعين بين رؤى متباينة حول جدوى العمل الحزبي في راهن البلاد ومستقبلها.
الرؤية الأولى، والتي باتت تزداد حضوراً في المزاج الشعبي، ترى أن الحزبية السودانية ــ بشكلها التاريخي ــ قد أصبحت عبئاً على الوطن. ويرى أصحاب هذه النظرة أن الأحزاب لم تسع يوماً إلى ترسيخ قيم وطنية جامعة أو بناء مؤسسات دولة قوية، بل ظل شغلها الشاغل هو الوصول إلى السلطة بأي وسيلة، ولو كان الثمن تفكيك الوطن وتقويض استقراره. ويشيرون إلى أن انقسامات الأحزاب، وارتباط بعضها بالخارج، وتحالفاتها المتقلبة، كلها عوامل ساهمت في خلق مناخ سياسي هش، مهد الطريق لتدخلات عسكرية متكررة ناهيك عن الدخلات الخارجية، فضلاً عن انها قد ساهمت في تمزيق النسيج الوطني.
أما الرؤية الثانية، فتتمسك بضرورة الإبقاء على الأحزاب كجزء من الحل لا من المشكلة، وترى أنها ــ رغم إخفاقاتها ــ تمثل التعبير السياسي الطبيعي عن التنوع السوداني الذي يقود إلى انتخابات حرة، وأن محاولات إقصائها أو شيطنتها لن تقود إلا إلى فراغ سياسي قاتل، تملؤه البنادق والولاءات القبلية. وينادي أنصار هذه الرؤية بإصلاح النظام الحزبي لا إزالته، عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، ومراجعة البرامج السياسية، وبناء تحالفات وطنية حقيقية قادرة على قيادة البلاد بعيداً عن الاستقطاب والتشظي.
لكن ثمة رؤية ثالثة بدأت تبرز مؤخراً، خاصة في أوساط الشباب والمستقلين، وهي رؤية تتجاوز الطرفين، وتدعو إلى التفكير خارج أطر الحزبية الكلاسيكية والانقلابات العسكرية على السواء. هذه الفئة تنظر إلى النظام السياسي السوداني باعتباره بأكمله بحاجة إلى إعادة تأسيس شاملة، لا تقتصر على تغيير الوجوه أو الهياكل، بل تشمل المنطلقات والمفاهيم ذاتها. فهم لا يرفضون الأحزاب من حيث المبدأ، لكنهم ينتقدون بنيتها الطائفية والجهوية والاوتوقراطية، ويرون أنها فشلت في مواكبة تطلعات أجيال جديدة تبحث عن المشاركة السياسية بوسائل مختلفة، من بينها الحركات المجتمعية والمقاومة الشعبية، بل وحتى الأدوات الرقمية الحديثة.
يرى هؤلاء أن السودان لا يمكن أن يُبنى على قواعد الماضي، وأن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب عقداً اجتماعياً جديداً، لا يكرّس ثنائية “أحزاب مقابل عسكر”، بل يفتح المجال أمام قوى جديدة تعبّر عن نبض الشارع الحقيقي، وتتجاوز الإرث الثقيل للتجارب الفاشلة، سواء كانت مدنية أم عسكرية.
وفي خضم هذا الجدل، يظل السؤال معلقاً: هل يمكن للسودانيين أن يتجاوزوا حالة الاستقطاب العقيم بين الإقصاء المطلق والتمجيد الأعمى؟ وهل ثمة طريق ثالث حقيقي، يعيد بناء السياسة السودانية على أسس حديثة، تستجيب لتحديات الدولة لا لمصالح النخب؟
ربما تكمن الإجابة في مدى استعدادنا كأمة لإعادة النظر في مفهوم “السياسة” نفسه، وللخروج من أسر الماضي، نحو أفق جديد لم يُجرب بعد.



