رأي

حضارة الإنسان: بين الزيف والأصالة

 

د. إسماعيل ساتي

في خضم التطور المادي والتقني الذي تعيشه البشرية اليوم، تبرز أسئلة جوهرية حول طبيعة الحضارة التي سادت: هل هي حضارة تُعلي من شأن الإنسان، أم أنها حضارة تذوب فيها الإنسانية تحت وطأة القيم المادية والاستهلاكية؟
الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن أي حضارة تضع الإنسان في الدرك الأسفل من سلم قيمها هي حضارة زائفة، لا تحمل جوهر التقدم الحقيقي، بينما الحضارة النبيلة هي التي تكرس نفسها لخدمة “إنسان”، أي إنسان كان بلا أداة تعريف، دون النظر إلى جنسه أو دينه أو عرقه، فتجعل من حمايته وتكريمه غايتها الأساسية.

*زيف المصطلحات واستعباد الإنسان*
في زمن تُختزل فيه القيم الإنسانية إلى أرقام في جداول اقتصادية، وتُصنف فيه البشرية تحت عناوين مجردة مثل “الموارد البشرية” أو “رأس المال البشري”، لا بد من التوقف لاستعادة المعنى الحقيقي للإنسان. فالإنسان ليس “موردا” يُستنزف، ولا “رأسمالا” يُستثمر، بل هو كائن كرمه الله تعالى حين قال: “وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا” (الإسراء: 70). وكما فضله الله على كثير من مخلوقاته فقد حذره من الخسران المبين إلا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر (العصر: 2-3). فكيف لحضارة تدّعي التقدم أن تنظر إلى الإنسان كرقم في معادلة الإنتاج، بينما هو في جوهره روح وعقل وضمير؟

*المعايير المزدوجة: دليل آخر على زيف الحضارة*
أبرز مظاهر زيف الحضارة السائدة اليوم هو تطبيقها للمعايير المزدوجة في تعاملها مع البشر. فهي تدعي حماية حقوق الإنسان ثم تتغاضى عن انتهاكاتها حين تخدم مصالحها. نرى هذا في:
– مَن يدينون العدوان على أوكرانيا بينما يصمتون عن مجازر فلسطين والسودان.
– مَن يرفعون شعار الحرية ثم يدعمون أنظمة ديكتاتورية حين تناسبهم.
– مَن يتباكون على ضحايا إرهاب معين بينما يبررون إرهاباً آخر. بدعوى الدفاع عن النفس.

هذه الازدواجية تكشف أن “القيم الإنسانية” لدى هذه الحضارة ليست مبادئ ثابتة، بل أدوات تخدم مصالح القوة. فالحضارة النبيلة لا تنتقي من يستحق الحياة والكرامة، بل تعامل الجميع بعدل وإنسانية.

*الإنسان الآخر: الاختبار الحقيقي للحضارة*
لكن أخطر ما يكشف زيف الحضارات السائدة اليوم هو نظرتها للإنسان “الآخر” – ذلك المختلف في اللون أو الدين أو العنصر. فالحضارة التي تدعي الإنسانية بينما تطحن البشر تحت جنازير مصالحها ليست سوى وهم كبير. لقد رأينا هذه النظرة في:
– هيروشيما وناكازاكي حيث أبيد مئات الآلاف في لحظة باسم “النصر”، دون أي اعتبار لقداسة الحياة.
– سيرينيستا و رواندا حيث تحول البشر إلى أرقام في عمليات إبادة جماعية على أساس ديني أو عرقي أو سياسي.
– غزة والسودان حيث يُقتل الأطفال وتُدمر المستشفيات وتُهجر العائلات وتُسبى الفتيات وتُسترق، بينما العالم “المتحضر” ومعهم أذنابهم يتفرجون، أو يدعمون القتلة بأسلحتهم وصمتهم!

هذه ليست أخطاء عابرة في مسار الحضارة، بل هي تعبير صارخ عن جوهرها المزيف. فالحضارة التي تقتل الطفل الفلسطيني لأنه “آخر”، أو تتجاهل مأساة السوداني لأنه يتمسك بتلابيب حريته وعقيدته، هي حضارة منحطة، حتى لو تزينت بأعلى شعارات حقوق الإنسان.

*إعادة تعريف الحضارة على أساس إنساني*
لا بد من إعادة صياغة مفهوم الحضارة على أسس جديدة:
1. رفض منطق التصنيف العنصري والاقتصادي الذي يجعل بعض البشر “أكثر قيمة” من غيرهم.

2. استعادة البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية، فلا يُقتل إنسان تحت أي ذريعة.

3. التواصي بالحق والصبر كما أمر القرآن، لأن العدل لا يتحقق إلا بالتمسك بالمبادئ.

إن تاريخ الأمم شاهد على أن أي حضارة تتنكر لقيمة الإنسان مصيرها إلى زوال، وكما قال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11). والسؤال الذي يبقى: هل نعي الدرس قبل فوات الأوان؟

*السودان وحكومة الأمل – الإنسان أولاً*
وفي ظل حكومة الأمل التي تشكلت مؤخراً، يمني الفرد فينا نفسه بأن يبرز السودان كنموذج واعد لإعادة بناء الحضارة على أسس إنسانية حقيقية. وقيادتنا ان تشبثت بالحكمة فسوف تدرك أن أعظم ثروة يملكها الوطن هي الإنسان السوداني، وأن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء المرافق والمباني.

إن الرؤية الحق لقيادة منظومية رشيدة تقوم على حقيقة أن الطرق والمطارات والمشاريع العمرانية ما هي إلا أدوات لخدمة الإنسان، وليست غايات في ذاتها. فالإنسان السوداني – بعقيدته الأصيلة، وثقافته العريقة، وإرادته الصلبة – هو حجر الأساس في مشروع النهضة الحضارية الذي ننشده.

لذلك نرى حكومة الأمل تعمل على:
1. ترسيخ القيم الإنسانية في كل سياساتها وبرامجها.
2. إعطاء الأولوية لبناء القدرات البشرية وتنمية الموارد الفكرية.
3. حماية كرامة المواطن السوداني كأولوية فوق كل الاعتبارات.

بهذه الرؤية الثاقبة، يصبح السودان نموذجاً يُحتذى في بناء الحضارة الحقيقية التي تضع الإنسان في القمة، وتجعل من تنميته وتحريره غايتها الأساسية. وهذا هو الطريق الوحيد لتحقيق النهضة الشاملة التي تليق بشعبنا العظيم وتاريخنا المجيد.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى