من نيل القاهرة إلى آمال الخرطوم: درس مصري في الثقة والإصلاح

مهند عوض محمود
في مساء مشبع بالدفء والأمل، لبّيت دعوة كريمة من مجلس الأعمال الكندي المصري ومجلس الأعمال المصري للتعاون الدولي لحضور ندوة نوعية حملت عنوان: “السياسة المالية بين تحديات التمويل وطموحات النمو”. وقد أقيمت الندوة في فندق هيلتون كايرو غراند، ذاك المعلم الفاخر الذي يطل مباشرة على نهر النيل، ذلك الشريان الأزلي الذي يربط بين مصر الحبيبة وبلادي، لا كجغرافيا فقط، بل كامتداد حضاري ومصيري مشترك.
شارك في الندوة عدد من رجال الأعمال المصريين والأجانب، وممثلون عن البنوك الكبرى وبيوت التمويل، ومصلحة الضرائب المصرية، وجهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وكانت الندوة على شرف معالي وزير المالية المصري، الدكتور أحمد كجوك، الذي ألقى كلمة امتدت لما يزيد عن الساعة دون أن ينظر إلى ورقة أو يستعين بجهاز؛ حديث انساب من ذاكرةٍ رصينة، مطعّمًا بالأرقام الدقيقة والتحليلات الواقعية، ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
حديث الوزير لم يكن تكرارًا لنشرات إخبارية معتادة، بل كان عرضًا واعيًا لتفاصيل المشهد المالي والاقتصادي في مصر، بكل ما فيه من تحديات وإنجازات. تحدث عن الانضباط المالي، وتراجع مؤشرات الدين، وشفافية الأرقام التي تُراجع بدقة من الأجهزة الرقابية. تناول الاستثمارات، ودور القطاع الخاص الذي بات يستحوذ على 25% من إجمالي الاستثمارات، وذكر الطفرات التي حدثت في السياحة والصناعة، حيث لامست معدلات النمو في بعض الفترات نسبة 8%، رغم الظروف العالمية والمحلية المعقّدة.
لكن ما شدّ انتباهي حقًا، وكان محور إعجابي، هو حديثه المفصّل عن الضرائب، إذ أكّد أن نسبة الضرائب في مصر لم تشهد زيادة وبقيت كما هي ومع ذلك ارتفعت الحصيلة الضريبية بقيمة فاقت الستين مليار جنيه، وذلك عبر برنامج مبتكر أطلقته الدولة تحت اسم “التقدير الذاتي”. هذا البرنامج استطاع أن يحقق معادلتين بالغتي الأهمية: أولهما توسيع المظلة الضريبية بإدخال أعداد كبيرة من الممولين إلى المنظومة، وثانيهما بناء الثقة بين الدولة ودافعي الضرائب، من خلال حملات توعية واسعة الأثر امتدت لأشهر. وقد وجّه الوزير شكره الصادق لرجال الأعمال المصريين على وطنيتهم واستجابتهم، وللممولين الذين بادروا بتقديم تقديراتهم الضريبية طوعًا، وسدّدوا ما عليهم دون تهرب أو مماطلة.
في تلك اللحظة، وجدت نفسي – دون قصد – أعقد مقارنة مؤلمة مع ما يحدث في السودان. فبينما تمكّنت مصر من توسيع قاعدتها الضريبية ببناء الثقة، نجد أن السودان لا يزال غارقًا في نظام الربط الضريبي القائم على القوائم الجبرية والتقديرات الجزافية، دون اعتماد على ميزانيات ختامية أو بيانات مالية حقيقية. وفي هذا النظام، يُفترض تلقائيًا أن الأرباح تنمو كل عام، وتُضاعف الضريبة دون سند، ويُجبر الممول على التفاوض لاحقًا، أو اللجوء إلى اللجان لخفض العبء، لا لإنصاف الحق.
أما التهرب الضريبي، فهو في الغالب سلوكٌ معتاد ومخطط له. فعدد كبير من أصحاب الأعمال يديرون نشاطاتهم الاقتصادية خارج المظلة الضريبية، عبر رخص محلية شكلية وسجلات تجارية مستأجرة، دون أن يدفعوا للدولة ما يعادل حجم أعمالهم الضخم.
يُضاف إلى ذلك مأساة غياب الثقة: فالدولة لا تعكس الضرائب بشكل واضح في صورة خدمات، والمواطن لا يرى جدوى من دفع ما لا يعود عليه، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين هشّة، مريبة، ومبنية على الشك وسوء الظن.
ولعل المؤلم أكثر، هو ما نسمعه من تجارٍ في أمدرمان وولايات أخرى، ممن ما إن يفتحوا محلاتهم مجددًا بعد دمار الحرب، حتى تنهال عليهم مطالبات المحليات، والضرائب، والجهات الحكومية المختلفة، وكأن الدولة تنتظر منهم أن ينهضوا من الرماد ليُعاقَبوا على النجاة. وهنا أتمنى بصدق أن تتبنّى الدولة السودانية مبادرة إعفاء ضريبي مرحلي ومدروس لكل الشركات وأصحاب الأعمال الذين تضرّروا من الحرب، لا كمنّة، بل كحق مستحق، وكخطوة أولى نحو ترميم الثقة وتشجيع المستثمرين المحليين على العودة وممارسة أعمالهم من داخل الوطن، لا خارجه.
وهنا،لابد من التوجه بنداءٍ صادق، بأن تتبنّى الدولة السودانية – بقيادة حكومة الدكتور كامل إدريس ووزير ماليته الدكتور جبريل إبراهيم، الخبير الاقتصادي الذي يُشهد له بالكفاءة – نموذجًا مشابهًا لما قدمته مصر في تجربتها الملهمة. خاصة أن فكرة “التقدير الذاتي” ليست جديدة علينا، فقد طُرحت في السودان بالفعل، ولكنها لم تجد طريقها للتطبيق، لأسباب تعود إلى غياب التوعية المجتمعية، وانعدام الثقة بين الدولة والممول، وفشل الأجهزة المعنية في فرض نموذج إصلاحي متكامل يحترم قواعد المحاسبة ويكافئ الالتزام الطوعي.
لقد خرجت من تلك الندوة في القاهرة وأنا على قناعة تامة بأن بناء الدولة لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى إرادة، وخطط قابلة للتنفيذ، ومواطنة تقوم على الاحترام المتبادل. فالتجربة المصرية قدّمت نموذجًا يستحق التقدير، والأمل أن يكون لنا منه نصيب.



