بناء الإنسان في السودان: نحو نموذج إنساني أصيل

د. إسماعيل ساتي
قبل أيام، وبعد نشر مقالنا السابق “حضارة الإنسان: بين الزيف والأصالة”، تلقيت هذا السؤال من صديق عزيز: “كل هذه الأفكار جميلة، ولكن كيف نترجمها إلى واقع ملموس؟ الأقوال دائماً أسهل من الأفعال”. كان سؤاله محقاً ومشروعاً، وهو ما دفعني إلى كتابة هذا الجزء الذي لا يقتصر على طرح الرؤى، بل يحاول الإجابة عن السؤال العملي: كيف نبني إنسان السودان على أرض الواقع؟
عندما يصبح الإنسان مجرد ترس في الآلة:
في مشهد لا يُنسى من فيلم “العصور الحديثة” (1936)، يقف الممثل البريطاني شارلي شابلن، الذي لعب دور عامل بسيط، أمام خط التجميع في المصنع، يربط الصواميل طوال فترة عمله بلا توقف. وتصل الكوميديا السوداء ذروتها عندما نراه بعد انتهاء الدوام، ويداه لا تزالان تتحركان لا إرادياً في حركة ربط الصواميل. هذه الصورة القاسية التي قدمها شابلن كانت أكثر من مجرد مشهد كوميدي؛ لقد كانت إدانة صارخة لنظام رأسمالي يحول البشر إلى مجرد أدوات إنتاج.
ولم يكن مصير شابلن نفسه، الذي تم ترحيله من الولايات المتحدة عام 1952 بسبب آرائه، إلا دليلاً آخر على أن الأنظمة التي تزعم احترامها للإنسان قد لا تتسامح مع مَن يكشف زيف ادعاءاتها.
في الجزء السابق من مقال لنا بعنوان (حضارة الإنسان: بين الزيف والأصالة)، ناقشنا زيف ادعاء الحضارات المعاصرة بأنها تضع الإنسان في مركز اهتمامها، حيث اتضح أن “الاهتمام بالإنسان” كان مجرد استغلال له كـ”مورد بشري” لتعظيم الاقتصاد وخدمة مصالح النخب الرأسمالية، فضلا عن ازدواجية المعايير التي جعلت “إنسانهم” أولاً بينما أُهمل الآخرون.
أما في هذا الجزء، فسنجيب على سؤال صديقنا العملي بمقترحات ملموسة تطرح رؤية مختلفة ندعو فيها أهل الحل والعقد في بلادنا إلى بناء إنسان السودان على أسس قيمية حقيقية، لا على أساس نفعي استغلالي، ولا على تمييز عنصري أو ثقافي. فكيف يمكن للسودان أن يبني نموذجاً يُعيد للإنسان قيمته الحقيقية، ويجعل التنمية وسيلة لرفعته، لا أداة لاستنزافه؟
من النقد إلى البناء: رؤية عملية
في كثير من النماذج العالمية، تحوّل الإنسان إلى رقم في معادلة الإنتاجية، يُقاس بنسبة مساهمته في الناتج المحلي، لا بإنسانيته أو قيمه. أما السودان، فيمكنه تبني فلسفة تنموية تقوم على:
– رفع قيمة الإنسان لذاته، عبر ضمان حقوقه الأساسية في التعليم والصحة والكرامة، بغض النظر عن مردوده الاقتصادي المباشر.
– التركيز على التنمية الروحية والأخلاقية، لأن الاقتصاد دون قيم يصبح آلة استهلاكية جوفاء.
– إعلاء مبدأ العدالة، بحيث لا يُستغل الإنسان لصالح فئة أو طبقة، بل تكون الفرص متاحة للجميع.
1. الإنسان غاية.. لا وسيلة: فلسفة تنموية عملية
لا يُبنى الإنسان بالمعرفة التقنية فقط، بل بالوعي النقدي والقيم الإنسانية. لذلك، يجب أن ترتكز المنظومة التنموية في السودان على:
– خطة عشرية للتعليم المجاني: تخصيص 30% من الموازنة العامة للتعليم
– نظام صحي شامل: عيادات متنقلة لكل 10,000 نسمة في المناطق النائية
– ضمان كرامة العاملين: ربط الحد الأدنى للأجور بأسعار سلة غذائية أساسية
2. تعليم يبني الإنسان قبل الأيدي العاملة
– نموذج تعليمي متكامل:
– 40% مهارات تقنية
– 30% علوم إنسانية
– 20% فنون وإبداع
– 10% تربية دينية ووطنية
– مناهج تعزز الهوية والانتماء دون انغلاق، وتُعلّم التاريخ بموضوعية لتجنب صناعة كراهية الآخر.
– دمج القيم الإنسانية مثل التسامح والعدل واحترام التنوع في المنظومة التربوية.
– ربط التعليم بحاجات المجتمع دون اختزاله في “تأهيل العمالة”، مع تشجيع العلوم الإنسانية والفنون إلى جانب التخصصات التقنية.
3. الاقتصاد الإنساني: حفظ الكرامة قبل الربح
الاقتصاد السوداني يمكنه أن يكون نموذجا مختلفا إذا تحوّل من اقتصاد يعتمد على الاستخراط (استخراج فائض القيمة من الإنسان) إلى اقتصاد يحقق الكرامة، عبر:
– بنك التنمية الاجتماعية: تمويل 100,000 مشروع صغير سنوياً
– مدن صناعية متخصصة: تركيز على الصناعات التحويلية والزراعية
– صندوق الضمان الاجتماعي: تأمين ضد البطالة يغطي 60% من الأجر لمدة عام
4. العدالة الاجتماعية من الشعار إلى التطبيق: لا تمييز بين إنسان وإنسان
من أكبر إخفاقات الحضارات المعاصرة تبنّيها معايير مزدوجة في التعامل مع البشر. أما في بلادنا، فبإمكاننا أن نُظهر التزاما حقيقيا بالمساواة عبر آليات تنفيذية، نطرح منها:
أ. إلغاء أي تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجنس في الفرص الاقتصادية والسياسية، وبإقامة نظام حصص تمثيلي للنساء والأقليات في جميع المجالس التشريعية.
ب. إصلاح النظام القضائي ليكون حامياً للضعفاء، لا أداة في يد النافذين، بإنشاء محاكم متخصصة:
– غرف قضائية متخصصة للنظر في قضايا الفساد المالي
– غرف قضائية متنقلة للوصول إلى المناطق النائية.
ج. صنع القرار التشاركي، بإشراك كل مكونات المجتمع في صنع القرار، خاصة المهمشين، لضمان أن التنمية شاملة.:
– مجالس محلية منتخبة بصلاحيات تنفيذية
– استفتاءات شعبية على القضايا الكبرى
هنا يأتي دور الفكر المنظومي (Systems Thinking) في فهم المجتمع كنسيج متكامل من العلاقات المتبادلة، حيث لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون مشاركة جميع أصحاب الشأن الفاعلين في المنظومة الاجتماعية. فكما أن إهمال أي جزء في المنظومة البيئية يؤدي إلى اختلالها، فإن إقصاء أي فئة مجتمعية، ولو صغيرة، سيخلق خللاً في البناء المجتمعي بأكمله.
إن تطبيق الفكر المنظومي في عملية صنع القرار يعني:
أ. رؤية الترابطات بين مختلف مكونات المجتمع
ب. فهم التأثيرات المتبادلة بين السياسات والفئات المختلفة
ج. تحديد نقاط الرفع الاستراتيجية التي تحقق أكبر أثر تنموي شامل
د. مراقبة الآثار غير المقصودة لأي سياسة أو قرار
بهذه الرؤية الشمولية، يصبح إشراك المهمشين ليس مجرد مبدأ أخلاقي فحسب، بل ضرورة منهجية لضمان استدامة التنمية ونجاحها. فالمجتمع لا يزدهر إلا عندما تعمل جميع مناظيمه بتناغم، وتُسمع جميع أصواته، وتُحترم جميع حقوقه.
5. الثقافة والإعلام: صناعة الوعي الجمعي الإنساني
لن ينجح أي نموذج تنموي دون ثقافة تدعمه. هنا يأتي دور الإعلام والفنون في:
– تعزيز قيم التضامن والتعايش بدل ثقافة الاستهلاك والفردانية.
– إبراز النماذج الإيجابية في التاريخ السوداني التي ترمز للوحدة والعدل.
– مواجهة خطاب الكراهية الذي يُقسّم المجتمع، واستبداله بخطاب يعلي مشتركات الإنسان السوداني.
وأخيراً: السودان ليس دولة.. بل مشروع حضاري
السودان أمام فرصة تاريخية لبناء نموذج يُعيد الاعتبار للإنسان كقيمة عليا، لا كأداة. هذا المشروع لا يحتاج إلى موارد مادية فحسب، بل إلى إرادة سياسية واجتماعية ترفض النموذج الاستغلالي السائد عالميا.
الاختبار الحقيقي ليس في بناء الطرق أو ناطحات السحاب، بل في بناء الإنسان الذي يسير على تلك الطرق، ويعيش في تلك المدن بكرامة لا تُقاس بالدولار، بل بالعدل والحرية والمساواة.



