رأي

عائد الصادر في مواجهة سعر الصرف الرسمي .. أضواء على منشور إدارة السياسات رقم 1/2025

حبيب الله عبد الوهاب **

الذي يقرأ منشورات البنك المركزي التي صدرت مؤخراً و المتعلقة بسياسات و إجراءات الصادر ويقرأ معها واقع التجارة الخارجية الحالي و في البال الظرف الاقتصاد الحرج الذي تمر به البلاد، يدرك أن البنك المركزي قد أضاع بقصد أو بدونه كثيراً من الفرص التي أتيحت له في سبيل تحقيق أثمن أهداف سياسته النقدية المتمثلة في استقرار سعر الصرف وتوفير احتياطي نقدي معقول، كما يدرك أن البنك ربما قد تجاهل و بصورة واضحة معطيات وتعقيدات واقع و مستقبل التجارة الخارجية في البلاد، الأمر الذي ترتب عليه بروز تشوهات بنيوية علي هيكل التجارة الخارجية نفسها كما ترتب عليه أن اصبح البنك المركزي نفسه خارج دائرة التأثير في شأن إدارة سياسته النقدية إلى حد ما، خاصة إذا علمنا كعلم متخذ القرار داخله أن معظم الأموال من العملة الصعبة التي يتم تداولها داخل الدورة الاقتصادية (النشاط التجاري تحديداً) منذ فترة ليست بالقصيرة هي في الأساس خارج الدورة المصرفية، بالتالي خارج سلطته كبنك مركزي و لعل أبرز نتائج هذه الاختلالات هو الانهيار الواضح الحالي في قيمة العملة الوطنية.

أنا هنا بصدد مناقشة منشور إدارة السياسات رقم 1/2025 وهو آخر ما صدر عن بنك السودان المركزي فيما يتعلق بضوابط وإجراءات الصادر.

*مفاهيم ومبادئي المناقشة*
هنا سأركز النقاش حول الفقرة (6) من المنشور وهي الاحتفاظ بالحصيلة طرف حساب المصدر لفترة 21 يوم وعرض البنك المركزي شراءها بعد انتهاء الأجل بسعره المعلن وهو السعر الرسمي وذلك على ضوء المفاهيم والمبادئ الاتية: –
• ان المصدر بسلوكه التجاري الطبيعي يسعى إلى تحقيق وتعظيم أرباحه كهدف أساسي لأعماله لكن في حدود ما تسمح به القوانين المنظمة لنشاط الصادر.
• انّ السعر الرسمي المعلن بواسطة البنك المركزي لفترة تزيد عن الثلاثة أعوام وحتى الآن ظل يتأرجح تحت مستوى السعر الحر (السعر الموازي) بنحو 25% إلى 30%.
• ان المصدر يشتري صادراته من السوق المحلي وهي مقومة بالسعر الحر وهو يسعى إلى تحقيق عائد مجزي يأخذ في الاعتبار التكلفة الفعلية لصادراته و المقومة بالسعر الحر.
• في المسافة بين السعرين استجدت عدد من الإشكالات تركت تأثيرها المباشر والسالب على توريد عائد الصادر وعلى نشاط الصادر ككل.

*خيارات المصدر*
ترك المنشور أعلاه المصدر يتحرك بين عدة خيارات تراوحت ما بين ابتداع شكل جديد من أشكال الأعمال مثل الشركات المزدوجة أو النأي عن المخاطرة ومغادرة البلاد إلى أخرى أو التحايل والتستر خلف الشركات المؤقتة وعدم توريد الحصيلة، وقد انسحب تأثير السعر الرسمي السالب على قطاع المغتربين وهو القطاع الذي تقترب وارداته من ورادات الذهب.

*الشركات المزدوجة*
الخيار الأول استدعي أن تكوّن الشركات المُصدرة شركات تمارس نشاطي الصادر والوارد بالتزامن بغية الاستفادة من حصيلة الصادر و تفادي إشكالية سعر الصرف الرسمي لأنّه قد بات معلوماً للكافة أن السعر الرسمي يقل عن السعر الذي تحدده قوى السوق بنسبة لا تقل عن 30% كما أسلفت و هي نسبة مخيفة في عالم الأعمال تقود يقيناً إلى تآكل رأس المال، إلا أنّ هذا النموذج من الشركات المزدوجة يعتبر من النماذج السالبة التي تركت مضاعفات وتشوهات بنيوية على هيكل التجارة الخارجية وستؤدي في نهاية الأمر إلى ضعف الأداء العام في كلا النشاطين وذلك لأنّ طبيعة كل واحدة منهما تستدعي التخصص بغرض تحقيق الكفاءة الاقتصادية المطلوبة و غير أنها و للأسف الشديد هي الوحيدة التي تسمح لها الظروف الاستثنائية الحالية بالاستمرار.

*شركات الصادر الممتخصصة*
الخيار الثاني و ينطبق على طائفة الشركات التي تعمل في مجال الصادر حصراً و هي تلك الشركات التي ترك لها المنشور مساحة ضيقة جداً مدتها 21 يوم فقط تتحرك فيها بين (فرصة و تهديد)، فرصة بيع الحصيلة لمستورد آخر ( بسعر السوق) وتهديد البنك المركزي بمصادرتها مقابل سعره الرسمي الذي كما أسلفنا يقل عن سعر قوى السوق بنحو 30% في أفضل الحالات، فالفرصة ليست مضمونة أمّا التهديد فهو حتمي و يستدعي تجنبه بطريقين، الطريق الأول ترك نشاط الصادر كليا و الابتعاد عن دائرة المخاطرة و هذا هو سلوك طبيعي لأصحاب رأس المال في كل بلاد الدنيا و قد غادرت بالفعل خلال السنتين الماضيتين بسبب الخوف من مهدد سعر الصرف الرسمي معظم الشركات المتخصصة في نشاط الصادر إلى بلدان تمثل لها ملاذات آمنة و ينحسر فيها عنصر المخاطرة إلى مستويات مرضية مع سعة في الفرص التجارية.

*الشركات المؤقتة (الوراقة)*
أما الطريق الثاني فتتمسك به بعض الشركات التي تعمل في نشاط الصادر لكنها تستغل شركات مؤقتة تنوب عنها في تنفذ عمليات الصادر وفق الإجراءات والضوابط المعمول بها لدى جهات الاختصاص في الدولة مثل (بنك السودان + وزارة التجارة + الجمارك + الموانئ وغيرها) لكنها تبيت النية بعدم توريد الحصيلة نهائياً و تتركها لصالح الشركات الأصيلة (صاحبة رأس المال) و هي أي الشركات المؤقتة تعلم سلفاً أنها ستقع في مرمى سهام بنك السودان المركزي القانونية فيحصيها و يطاردها ثم يحظرها دون أن يحصل على شيء و تنتهي القصة ببقاء الحصيلة في يد المصدر الحقيقي لكنها خارج النظام المصرفي، هذه الشركات كما يعلم الجميع تنشأ بشروط و ضوابط تنطبق في الحقيقة على مئات الشركات فتتناسل بصورة مستمرة و تلحق آخراها كلما حظر البنك المركزي أولاها وهكذا يستمر العبث الإجرائي و كله بسبب الخوف من غول سعر الصرف الرسمي، غير انّ المخالفة للقانون في حد ذاتها لها تكلفة معتبرة ستقود الشركات الأصيلة إلى ترك النشاط كليا في نهاية الأمر.

*مدخرات العاملين بالخراج*
في مطلع العام 2021 تم تحرير سعر الصرف كلياً ليلحق بسعره في السوق الموازي و رغم أنّ الخطوة كانت جريئة و أثارت مخاوف الكثيرين إلا أنّ نتائجها كانت إيجابية جداً، حيث تمكنت الحكومة بفضل ذلك الإعلان من تحييد عمليات المضاربة في العملة كما تمكنت من جذب تحويلات مالية كبيرة مصدرها العاملون بالخارج (المغتربون) و قد شهد الاقتصاد حينها حالة من التوازن العام لم يشهد مثلها في العقدين الأخيرين حيث جاء في العرض المالي السنوي للبنك المركزي عن العام 2021 أن تحويلات المغتربين قد قفزت إلى 1.3 مليار دولار بعد أن كانت في العام 2020م 0.43 مليار (أقل من نصف مليار دولار ) لكنها تراجعت قليلا في نهاية العام 2022 إلى مليار واحد، و من المؤكد أنها قد اضمحلت كثيرا خلال العام 2024 و ما مضى من العام 2025 حتى الآن، لكنه وللأسف قد بات واضحا أن الأمور قد عادت إلى ما قبل العام 2021 إذ أحجم المغتربون عن توريد مدخراتهم عبر النظام المصرفي إلا قليلا منهم و نسبة معتبرة منهم حولوا مدخراتهم إلى بلدان أخرى حيث تقيم أسرهم التي تركت البلاد بسبب الحرب في حين فضلت الغالبية القنوات غير الرسمية، و لعل السبب الوحيد هو أن سعر الصرف الرسمي قد أصبح غير مجزٍ تماماً.

*سعر الصرف الرسمي غير المجزي*
يتضح مما قدمنا و على الرغم من أنّ البنك المركزي قد عمل بجد على اتخاذ عدد من الضوابط و الإجراءات بقصد تعزيز تدفقات العملة الصعبة لداخل النظام المصرفي إلا أنّ النتائج جاءت مغايرة بل عكسية، حيث دفعتها إلى الهروب، فسعر الصرف الرسمي (المعلن) و غير المجزي مع إلزام المصدر بالتنازل عن الحصيلة بعد أجل الـ 21 يوم كجزء من أدوات السياسة النقدية قد تسبب بصورة مباشرة في كثير من التداعيات على صعيد الصادر وعائده، تمثلت في بروز نموذج الشركات المزدوجة ومغادرة عدد كبير من شركات الصادر المتخصصة، كما تسببت في ظهور الشركات المؤقتة (الوراقة) إلى جانب عزوف غالب المغتربين عن توريد مدخراتهم من العملة الصعبة للنظام المصرفي .

*1.5 مليار دولار تسربت من الصادر بسب الحرب*
لا يفوت على متخذ القرار لدى بنك السودان المركزي أنّ الميزان التجاري يعاني أصلاً من اختلالات صارخة تسببت فيها الحرب الحالية وأدت بصورة أكثر وضوحا إلى أن العملة الوطنية قد أصبحت تحت ضغوطات كبيرة ستقودها حتما إلى الانهيار الكامل إذا لم يتم تدارك الامر وبالسرعة المطلوبة.
في مجال الصادرات يعلم البنك المركزي أنّ سلعاً أساسية قد خرجت من الميزان التجاري مؤقتا لموسم كامل على الأقل و هي صادرات الصمغ العربي، اللحوم المذبوحة والحية، الفول السوداني و ذلك بسبب وقوع مصادر إنتاجها و أسواقها المحلية داخل نطاق سيطرة المليشيا و هي تمثل حوالي 28% من حجم الصادرات الكلي بمتوسط واحد مليار بحسب ما عرضه البنك المركزي من بيانات عن الأعوام 2021، 2022 و العام 2024, أما السمسم فقد أوشك على مغادرة السوق العالمي خاصة هذا الموسم و ذلك لسببين الأول ارتفاع تكاليف إنتاجه وبالتالي تكاليف صادره و الثاني دخول البرازيل بقوة إلى السوق الصيني خصماً على نصيب الدول الأفريقية و السودان خاصة باعتباره أكبر الأفارقة سهما في سوق السمسم لدى الصين، و السمسم كما هو واضح في بيانات الصادر لدى البنك المركزي يمثل 12% من حجم الصادرات بمبلغ يقترب من نصف المليار دولار، و إذا لم يتحسن وضعه التنافسي في مواجهة العرض البرازيلي القوي خلال الموسم القادم فسيزيد من مضاعفات الميزان التجاري بنسبة مساهمته.

صحيح أن صادر الذهب يعد هو المنقذ المحتمل لوضع الميزان التجاري وبالتالي قوة العملة الوطنية إلا أنّ زيادة حجمه تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل لن تأتي ثمارها إلا بعد سنوات.

*البلاد بحاجة إلى واردات إضافية بنحو 2.5 مليار دولار*
تتزامن مشاكل الصادرات مع زيادة كبيرة متوقعة في حجم الواردات لا تقل تقديراتها عن 30% من حجمها الحالي لاعتبارات منطقية و واقعية أهمها زيادة مساحة الاستقرار الأمني و هي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة و أنّ الأسواق قد أصبحت بحاجة ملحة و بحجم كبير لمعظم السلع الاستهلاكية و الرأسمالية خاصة المستوردة و التي تسببت الحرب في تدميرها أو تعطيل وسائل إنتاجها و هذه الحاجة الملحة ستتحول إلى طلب على العملة الصعبة وهو بالطبع طلب حقيقي على العملة الصعبة باعتباره مشتقا من الطلب على استيراد هذه السلع، و إذا أخذنا في الاعتبار متوسط حجم الاستيراد لثلاثة سنوات هي (2021) (2022) (2024) كمؤشر لحساب حاجة البلاد من سلعة الوقود التي تمثل وحدها 20% من حجم الاستيراد بالإضافة إلى سلع السكر و القمح و الدقيق، الدواء، السلعة المصنعة، السلع الغذائية مثل زيت الطعام، وسائل النقل، مدخلات الصناعة من المواد الخام و مواد البناء، فإننا نحتاج إلى 2.50 مليار دولار على الأقل على أساس البيانات الإحصائية التي وردت في العرض المالي لبنك السودان المركزي، وهو تقدير لا يتضمن الاحتياجات العسكرية التي لا تتوفر لدي بيناتها لكنها قطعا ستكون بحجم مؤثر .

*العجز التجاري المتوقع في حدود 8 مليار دولار*
إذا أخذنا في الاعتبار البيانات والحقائق أعلاه وقرأناها بتأنٍ مع بيانات البنك المركزي الإحصائية لعدد من السنوات نجد أن متوسط العجز التجاري كان يتراوح ما بين 3 إلى 5 مليار دولار عليه وبناءً على المعطيات والحقائق التي استجدت والتي ناقشتها بأعلاه أتوقع أن يكون العجز التجاري في حدود الـ 8 مليار دولار وإذا لم تفرض وتتخذ تدابير مناسبة وعاجلة فإنّ العملة الوطنية ستتراجع إلى مستويات مخيفة.

*مقترحات للحل*
التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد والتي ترافقت مع تداعيات الحرب الحالية تستدعي التعامل معها بقدر كبير من الحساسية والجدية لا يعدمها متخذ القرار لدى بنك السودان المركزي ووزارة المالية والاقتصاد الوطني غير أنّى بصدد الدفع بمقترحاتي لبنك السودان في إطار معالجات قد تكون موضوعية للسياسة النقدية إذا لم تصطدم بحقائق أخرى غير مرئية وإنّي على ثقة في أن قيادة البنك الحالية ستأخذها في الاعتبار و هي:-
• زيادة فترة انتظار الحصيلة طرف حساب المصدر من 21 يوم إلى ثلاثة أشهر بغرض تقليل هاجس الخوف والمخاطرة
• تحريك سعر الصرف نحو السعر الحر (سعر قوى السوق) بحيث يكون مجزياً كمقابل لحصائل الصادر و المغتربين.
• العمل مع وزارة المالية لإعطاء المصدرين امتيازات ضريبية تتناسب مع حجم صادراتهم كما تفعل بعض البلدان ذات الاقتصاديات المشابهة بدلاً عن وضعهم في دائرة الاشتباه الجنائي.
• تقديم حوافز إضافية للمغتربين تدفعهم إلى زيادة حجم تحويلاتهم عبر النظام المصرفي

** خبير تجارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى