رأي

كينيا والدعم السريع: من احتضان التمرّد إلى مراجعة المواقف؟

مهند عوض محمود

في سياق الحرب السودانية التي تجاوزت عامها الثاني بعدّة شهور، لم تعد الجبهات العسكرية وحدها هي التي تحدد ميزان القوة، بل أصبحت المعارك السياسية والدبلوماسية عاملاً حاسمًا في إدارة الصراع وتأطير نتائجه. وفي هذا الإطار، برز الدور الكيني كمصدر قلق مشروع لدى السودانيين، خاصة بعد أن تحوّلت نيروبي، لفترة من الزمن، إلى ساحة مفتوحة أمام أنشطة سياسية وإعلامية مكثّفة قادها حلفاء الدعم السريع.

من العاصمة الكينية خرجت تصريحات وبيانات، تحت عناوين فضفاضة مثل “الانتقال المدني الجديد” و”حل سياسي خارج الأطر التقليدية”، وهي عبارات مراوغة تُخفي في جوهرها محاولة مكشوفة لتمرير التمرّد العسكري عبر واجهات مدنية مصنوعة. فقد احتضنت نيروبي على مدى شهور عدّة لقاءات ومنتديات ضمّت شخصيات معروفة بعدائها الصريح للقوات المسلحة السودانية، وتم من خلالها إطلاق حملات سياسية وإعلامية تهدف إلى إعادة تقديم الدعم السريع كفاعل سياسي، في تجاهل تام لما ارتكبته هذه الميليشيا من جرائم وانتهاكات جسيمة في العاصمة والولايات.

إن المقلق في تلك الأنشطة لم يكن فقط في محتواها، بل في الموقف الضمني للدولة الكينية التي سمحت بذلك المناخ دون ضبط أو موقف واضح، وهو ما اعتُبر انحيازًا ضمنيًا لطرف متمرد يسعى لفرض مشروعه بقوة السلاح، وليس عبر الشرعية الشعبية أو الانتخابية. ومما فاقم من استياء السودانيين أن هذه الأنشطة كانت تتزامن مع تصعيد عسكري على الأرض من قِبل الدعم السريع، في الفاشر وكردفان، وكأنما الرسائل السياسية من نيروبي كانت تغذّي العمل الميداني وتشجّع عليه.

ومع تصاعد الغضب السوداني، عبّرت الحكومة السودانية بوضوح عن رفضها لهذه الأنشطة، وأدانت استقبال كينيا لحلفاء التمرّد، وهو ما أدى لاحقًا إلى صدور تصريحات كينية توحي بمراجعة الموقف، منها بيان لوزارة الخارجية أكدت فيه أن كينيا “لا تتبنى أي أجندة”، وهو تراجع غير مباشر عن النبرة السابقة. لكن هذا التغيير، وإن كان متأخرًا، يجب البناء عليه لا التوقف عنده، خصوصًا أن أي تهدئة حقيقية في الموقف الكيني قد تسهم في تقليص الحضور السياسي للدعم السريع خارج السودان، بعدما بدأت بعض الدول الإفريقية تدرك أن استمرار الصمت تجاه هذه الجماعة يعني فتح باب للفوضى يهدد الإقليم كله.

وإذا قررت كينيا فعليًا الانسحاب من هذا الدور الرمادي، فإن الدعم السريع سيخسر إحدى أهم المنصات التي استغلها خلال الشهور الماضية، سواء لإعادة تسويق نفسه، أو للتواصل مع أطراف دولية عبر قنوات غير رسمية. وهذا التراجع في المساحة السياسية المتاحة له خارج الحدود يشكّل، في ذاته، ضربة استراتيجية للتمرد، توازي ما يُحقّق ميدانيًا من انتصارات لصالح القوات المسلحة.

أما من جهة الدولة السودانية، فإن الموقف يفرض مواصلة العمل الدبلوماسي بذكاء وتوازن، عبر تعميق العلاقات مع الدول الإفريقية ذات الثقل، وتعزيز قنوات التعاون مع نيروبي بما يُعيد ضبط الإيقاع السياسي ويُجنّب المنطقة تداعيات التوظيف الخارجي للصراعات الداخلية. إن التعاون بين السودان وكينيا يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل، والالتزام بمبادئ عدم التدخل، وتبادل المصالح التنموية، لا على فتح الأبواب لأطراف تسعى لتفكيك الدولة من الداخل.

إن ما حدث في نيروبي ليس تفصيلاً عابرًا، بل اختبارٌ حقيقي لموقف إفريقيا من النزاعات المسلحة: هل تساند القوانين والنظام، أم تقف على الحياد بين دولة شرعية وتمرد دموي؟ وعلى كينيا أن تُثبت اليوم، بأفعال لا بأقوال، أنها تقف في الصف الصحيح.

السودانيون لا يطلبون دعمًا من أحد، ولا ينتظرون أن ينوب عنهم طرف خارجي في الدفاع عن وطنهم، لكنهم يُطالبون بحقهم الكامل في أن لا يُستخدم جوارهم الإقليمي منصة لشرعنة الدم أو تمرير الفوضى تحت عباءة السياسة. وهذه رسالة يفهمها من أراد السلام، ويتجاهلها من رهن قراره لأجندات لا تعبأ بأرواح الأبرياء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى