رأي

الأزمة السودانية: التشخيص والعلاج

أحمد التجاني الشايب

لم نجمع من قبل نحن معشر أهل السودان علي وجود أزمة عميقه تهدد وجودنا كما هو حال لحظتنا الراهنة ، فقد أزالت حرب 15 أبريل 2023م الغشاوة عن أبصارنا لتضحي أزمتنا المزمنة كالشمس في رابعة النهار لا ينكر وجودها سوي عميان البصيرة وذوي الأسقام المستعصية ، بيد أنا وإن كنا نتفق علي العديد من مظاهر أزمتنا الوطنية السودانية من عدم إستقرار سياسي وتفاقم ظواهر العنف والبطالة والفقر والهجرة والعصبية القبلية والجهوية ، وتصدع الأبعاد القيمية والأخلاقية والسلوكية وقلة الإنتاج وضعف العائد وارتفاع تكلفة المعيشة ، وتدهور الخدمات العامة وتهميش الأرياف وإتساخ المدن والضمائر ، ونشوب النزاعات والحروب وشدة إستعار نيرانها وتطاول أمدها وكلفتها الإنسانية بالغة العلو والإرتفاع ، وكثافة التدخل الخارجي في شؤوننا الداخلية لدرجة أصبح فيها وجود الدولة السودانية مهددا بالزوال ، إلا أننا لم نجمع بنسب مريحه بعد علي تعريف جامع مانع لتلك الأزمة المزمنة يفضي بنا الي إجتراح حلول ناجعه وشافية نستعيد عبرها سلامنا الإجتماعي وإستقرارنا السياسي ورفاهنا الإقتصادي وأمننا الإنساني المفقود .

فمنا من يعزي وجود الأزمة الي أيادي خارجية يقضي مشروعها الثقافي والحضاري ومصالحها الإستراتيجية أن تظل الأوضاع في هذا الجزء من العالم كما هي عليه مصدرا للمواد الخام والطاقة وسوقا عامرا لمنتجاتها الصناعية ، وشعوبا مستحمرة كما تنص علي ذلك أساطيرها التلمودية .

وعلي أية حال لا يستطيع أحد أنكار حجم وأثر ذلك العامل الخارجي علي أزمتتا السودانية الراهنة ، بيد أن نجاح ذلك رهين بوجود وفاعلية العوامل الداخلية المساعدة ، وقد صدق من قال :( لم يدخل الأعداء من حدودنا ، لكنهم تسللوا كالنمل من عيوبنا ).

ويري أخرون أن وجود الأزمة وتفاقمها يعود لسببين رئيسين :

أولاهما : نظام الحكم الإقصائي .

وثانيهما : نمط التنمية المتحيز .

 

وقد قال بذلك العديد من علماء وخبراء الإدارة والاقتصاد والتنمية بالسودان من مختلف التيارات الفكرية و الإنتماءات السياسية والأقاليم الجغرافية ، ورغم ملامسة أصحاب هذا الرأي لجذور الأزمة ، إلا أن ما توصلوا إليه من تشخيص للأزمة هو – في تقديري – أقرب الي المظاهر من الأسباب الجذرية .

إذ ترجع مؤسسة بيت الحكمة والتي يقودها أ.د محمد سليمان أبو صالح الخبير الإستراتيجي المعروف ، أن أزمة السودان الأساسية والتي أدت لفقدانه البوصلة طوال فترة العقود السبعة الماضية ، هي الخلل الجوهري الناجم عن الفراغ الفكري العميق المتعلق بإدارة الدولة وتشكل مستقبلها ، والذي خلفه غياب الرؤية الوطنية الإستراتيجية ، مما تسبب بدوره في عجزنا عن التعامل المناسب مع تعقيدات المشهد المحلي والإقليمي والدولي بالغة التعقيد والخطورة .

حديث أبو صالح أعلاه يعضد ما نحن بصدد تقريره من أن جذور الأزمة السودانية تعود – في تقديرنا – الي أزمه بنيوية تتعلق بطبيعة وتكوين ووظيفة الدولة الوطنية القومية المنتجه خارجيا والتي حملتها إلينا السفن الحربية الإستعمارية وهي تحمل (اي الدولة المستوردة)، مواليدها فاقدة السند العلمي والأخلاقي من مذاهب فكرية و مبادئ وقيم ومؤسسات وسياسات تتناقض في مجملها وموروثنا الحضاري ومصالح أمتنا وشعوبها .

فالدولة كما عرفها برهان غليون هي :( التعبير عن نجاح المجتمع في الوصول إلي توافقات وبناء مؤسسات تعكس تجاوز تجربة العنف وتتضمن إستمرار السلام ومن ثم الاستقرار والتعايش المديد ). فهي لديه تعبير عن الجماعة الوطنية وأداة للحكم بين الناس ، كما أنها مشروع لبناء الأمة أو مجتمع متفاهم مع نفسه وسلطته المركزية التي خضع لها طواعية لتقوم بمهام تنظيم شئونه وإدارة مصالحه.

لذا ما لم تنجح المجتمعات في التوصل إلي حد أدني من الإجماع أي وحدة الفكر والهدف والغاية والمعايير الأخلاقية ، لن يكون بإمكان الدولة الحديثة بوصفها دولة مجتمع أو دولة أمة تعكس إرادة المجتمع وتجسدها أن تقوم إلا إذا أرادت أن تكون دولة تسلطية قهرية بحسب توصيف برهان غليون.

بيد أن المشكل البنيوي لدولتنا الوطنية القومية ، أنها إبتداء لم تنشأ نتيجة توافق وعقد اجتماعي أو إجماع حول مبادئ وقيم وغايات ، كما أنها لا تعبر عن أو تجسد إرادة مجتمع كما هو حال الدولة الوطنية القومية الحديثة في أوروبا التي نشأت وفق مقررات صلح وستفاليا 1648م. و إنما هي (اي دولتنا القومية الوطنية) صناعة إمبريالية (دولة مستوردة) علي حد تعبير نزيه نضيف وبتران بادي ، فرضت علينا لم تشترك حتي في إختيار إسمها أو ترسيم حدودها أو تحديد وظائفها فضلا عن التوافق علي رؤيتها أو تقييم وتقويم آدائها ، فهي لم تتطور تطورا طبيعيا بوصفها تعبيرا عن المجتمع وقيمه ومرجعيته الثقافية ، وانما تضخمت تضخما شديدا تحت رعاية إمبريالية حتي تحقق هيمنتها وتحافظ علي مصالحها ، وقد عمدت الإمبريالية العالمية علي التدخل المباشر وغير المباشر لإجهاض كافة تجارب التحرر الوطني لإصلاح ذلك الخلل البنيوي ، حتي لا تستكمل دولتنا الحديثة قوميتها ووطنيتها واستقلالها المنقوص بإمتلاك عناصر القوة الشاملة التي من شأنها الحفاظ علي ثرواتها ومواردها ومصالحها الوطنية العليا وأمنها الإنساني و الآيكولوجي .

بيد أن نجاح المخطط الإجرامي الخارجي رهين بإتساع ثغور الجدر الوطنية لأمننا القومي ، التي من أوسعها ثغرة ، ثغرة الجدار السياسي ممثلة في عدم حسن إدارة التنوع وما ترتب عليها من مشاكل وأزمات ، وكذا ثغرة الجدار الإقتصادي ممثلة في العجز عن إستغلال ثروات وموارد البلاد المهولة تلك التي لم يحظى بها أحد من العالمين ، فأن كنا أحسنا استغلالها وعدالة توزيع عوائدها لأصبحتا في مقدمة الإقتصادات العالمية الأكثر تطورا .

بيد أن عدم إكتمال الوعي لدينا بمسألة الدولة ، هو أس الأزمة الذي أفرخ أنظمة الحكم الإقصائية سواء تلك المشخصنة كما أسماها الفقية الحكيم البشري رحمه الله ، أو العصبوية العشائرية أو الجهوية أو الطائفية أو الحزبية ، التي كان لكل منها مشروعها الخاص لما تراه من إصلاح للدولة ، الأمر الذي جعلها تجتهد في تحقيق دولة المشروع بدلا عن الإسهام في تحقيق مشروع الدولة ، علما بأن الفرق بين المشروعين عظيم ، فهو الفرق بين دولة النخبة / ودولة الأمة ، دولة العصبة / ودولة المجتمع ، تلك التي في ظلها تنتف أزمة التنوع ، لأن وحداته ومفرداته العديدة تصبح حينها جزء لا يتجزأ من بنية الدولة وتكوينها ، وبذا نكون قد عملنا علي ترميم وإصلاح أعظم ثغرة في أمننا القومي ، وهي ثغرة الجدار السياسي ، مما يوفر علينا الوقت والجهد والمال للإلتفات بالكلية لإقامة جدارنا الإقتصادي المنقض بإستغلال موارده وإستخراج كنوزه وثرواته وتمتع الجميع بحمايته وأمنه وعوائده .

ويظل الأمل معقودا علي المشروع السوداني للسلام الإجتماعي ، الذي تم تدشينه أمسية الثلاثاء الموافق 22/ يوليو / 2025 م. بحضور لفيف من القادة والعلماء والخبراء والأساتذة وأهل السياسة والإقتصاد والثقافة والفن وممثلي الولايات والمرأة والشباب ورموز النظام الأهلي والطرق الصوفية وغيرهم ، وقد إشتملت وثيقة المشروع علي تبيان الأهداف والفئات والجهات المستهدفة والمناشط والأدوات ونطاق عمله وشركاء التنفيذ والميزانية وآليات وأدوات التنفيذ .

ويسعي المشروع في مجمله الي بناء كيان إجتماعي فكري ثقافي يعتمد السلام الإجتماعي والحوار المجتمعي ، سبيلا مثاليا لحل الخلافات ومعالجة النزاعات ، ومدخلا مركبا لإنتاج رؤيه جامعه وشامله للسلام الإجتماعي تسهم بفاعلية في معالجة الأزمة السودانية.

ومما يجدر ذكره أن ما انتجه السودانين خلال الخمس سنوات الماضية من رؤي ومبادرات ومشاريع وطنية كفيل بمعالجة الأزمة السودانية حال التجميع والتنسيق بين المشتركات والإلتزام بالمصالح الوطنية العليا ومحاصرة الأجندات الأجنبية الإجرامية ، حينها يمكن تحقيق ما يلي :

1- تأسيس الكتلة الوطنية المعبرة عن الإرادة الشعبية للغالبية العظمى من أهل السودان.

2- إمتلاك رؤية وطنية جامعه تعبر عن الدولة السودانية وتهدف لتعظيم عناصر قواها الشاملة .

3- العمل علي إنشاء مؤسسة وطنية علمية تمثل العقل الإستراتيجي للدولة لحماية وتأمين صناعة قرارها الوطني الإستراتيجي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى