الرصاصة التي لا تري: حكاية القتل المعنوي

د. صلاح دعاك
في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتنتشر فيه الشائعات بسرعة البرق، أصبحت الكلمة أخطر من الرصاصة، وأشد فتكًا من السلاح القاتل . فالرصاصة تقتل الجسد مرة واحدة، لكن الكلمة الكاذبة قد تقتل الروح كل يوم و يتألم صاحبها و يري نفسه يموت . ما بين وشايةٍ تُختلق، وإفكٍ يُنسج، واتهامٍ بلا دليل، تتهاوى سمعة الأبرياء كما تتساقط الأوراق الصفراء في الخريف، تاركة وراءها قلوبًا مكلومة، وأرواحًا مثخنة بالجراح. في هذا المقال، أفتح لكم نافذة على أخطر أنواع القتل… القتل المعنوي الذي يستهدف النجاح احيانا و يؤدي الي ابعاد الصالحين احيانا من تقلد المناصب العامه خوفا ان يكونوا هدفا لهذه الخناحر المسمومه.
ليس القتل دائمًا صوت رصاصة تخترق الجسد، أو خنجرًا يغرس في الصدر، بل هناك قتل أشد مضاءً، وأبطأ نزفًا… قتلٌ لا يُسفك فيه دم، بل تُسفك فيه السمعة و الشرف ، ويُزهق فيه العرض، وتُشنق فيه القلوب الطاهره على أعمدة الشك والافتراء. قال الله تعالى في محكم تنزيله: “من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا”. وما هذا التوصيف الإلهي إلا بيان لجريمة تمتد أذرعها إلى الروح، لا البدن؛ إذ يُقتل الإنسان أحيانًا وهو حيّ، إذا سُلبت سمعته، وشُوّهت سيرته، وغُرز فيه سهم الكلمة الكاذبة، أو الاتهام المجاني.
وقد بدأ أول مشهد لهذا القتل المعنوي في التاريخ البشري مع قابيل وهابيل، حين قال الأول لأخيه: “لأقتلنك”، قال “إنما يتقبل الله من المتقين”. كان الحسد هو الدافع، لا الجُرم. وهكذا يُقتل الصالحون لا لذنب، بل لأنهم صالحون، لا لتقصير، بل لأنهم صادقون. قال الشاعر :حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَهُ، فالقومُ أعداءٌ له وخصومُ. في كل زمان، هناك جماعة إن لم تستطع أن تواكب نجاح أحدهم، فما أسهل أن تطعن في ظهره و يستهدفون نيّته. وإن لم تستطع أن تنافسه أثرًا، فما أيسر أن ترميه زورًا. هكذا يغدو القذف لغة الجبناء، والإفك وسيلة العاجزين، والوشاية رصيفًا يلجأ إليه من ضاقت نفسه باتساع صدور النبلاء.
وما حادثة الإفك التي نزل فيها القرآن الكريم إلا درس خالد، حين نالت الشائعة من أطهر بيت، بيت النبوة، واغتالت الهمسات أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فصمت النبي ﷺ، وانتظر، حتى تولّى الله بنفسه إعلان براءتها: “إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم”. ويعجب المرء كيف تكررت القصة نفسها عبر العصور، فقد أصبح اغتيال السمعة سلاحًا شائعًا في أيدي ضعاف النفوس، يرفعونه في وجه كل نزيه، ويوجّهونه نحو كل ناجح، حتى بات الإفك أسرع من الإنصاف، والتشويه أيسر من الاعتراف بالفضل و اذكر احد اصدقائي كان يسمي هذه المجموعه ممازحا “اعداء النجاح” .
أذكر أنني كنت في إحدى الدول خارج السودان، ورأيت موقفا من هذا بعيني. رجل كنا نشهد له بالصلاح من المقيمين أبناء الوطن، نذر نفسه للعمل العام، لا يطلب جزاءً، ولا يعرف التململ، بل كان يسعى في قضاء حاجات الناس، في جمعياتهم ومنظماتهم، ويصل من قطعته الظروف نزر نفسه لخدمة الناس . لكن بعض المسؤولين – ولأن حضوره طغى على غيابهم – ضاقوا به ذرعًا، فجمع أحدهم خصومه وقال: “يجب أن نُسقطه و نخرجه من المشهد تماما .. فقال ، اتهموه بالخيانة!” لكن المفاجأة أن من حضروا، وكانوا على خلاف سابق معه، رفضوا هذا المكر. وقالوا له : “نختلف معه ، نعم. لكننا لا نكذب و نفتري عليه . لم نرَ منه إلا الصدق.” فأُسقطت المؤامرة، لا لأن الرجل دافع عن نفسه، بل لأن خصومه أبوا أن يبيعوا ضمائرهم ، لانهم كانوا يميزون بين الخلاف في الامر العام و الخلاف الشخصي و كانوا رغم بساطتهم يخافون الله سبحانه و تعالي و حفظوا للرجل عشرته معهم و هذا شأن الكرام ، إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.
وفي موضعٍ آخر، أعرف مديرًا لإحدى المؤسسات الكبيرة، عُرف بالحزم والشفافية. قرر فصل بعض الموظفين المتقاعسين بعد مراجعة صارمة. فما كان من أولئك إلا أن انقلبوا عليه، ورفعوا شكاوى كيدية ملفّقة. لكن التحقيق أنصفه، وأثبت نزاهته، وخرج من المحنة مرفوع الرأس، بينما بقي خصومه في دائرة الخزي و كانت سببا في ان يعرف جهد الرجل و قدره و فضائله ، فقال الشاعر وإذا أراد الله نشرَ فضيلةٍ طُويت، أتاح لها لسانَ حسودِ.
و هناك نماذج كثيره من هذا النوع ، حتي أصبح كل من يتقلّد منصبًا عامًا، في مرمى النيران المفتوحة، تُستباح سيرته وأسرته وكرامته. وقد سمعنا عن شخصية عامة في مناسبة اجتماعية، يتعرض لشخصه أحد الحاضرين باتهامات وتجريح، دون دليل أو معرفة. فقال أحد الحضور بهدوء: “هل تعرف من تتكلم عنه؟” فردّ الآخر: “نعم، وأعرفه جيدًا!” – “هل قابلته أو رأيته قبل هذا؟” – “نعم أعرفه جيدًا!!” فأشار إليه الرجل قائلًا: “هذا هو!” أمامك؛؛ فإذا به يبهت، ويتراجع، وقد بأن أن لسانه سبق وعيه، وأنه كان يلوّك حديث المرجفين دون أن يتبيّن، وأنه لم يلتقِ به من قبل، لكنه يحكي القصة كأنه يعرفه تمامًا وكأنه حاضر كل تفاصيلها. و يذكر أن الرئيس نميري عرض علي رجل معروف في ذلك الوقت أن يتقلد حقيبة وزاريه ،فما كان من الرجل إلا أن قدم اعتذاره للرئيس نميري ،،فأخذ الفضول سعادة الرئيس في ذلك الوقت و سأل الرجل مستفسرا الرجل عن سبب رفضه الوزاره و كان رجل حاضر البديهة صاحب فكاهة ،فقال له ( انت عايز يجيبوا خبر حبوبتي و جدي الماتوا قبل خمسين سنه ) في اشاره الي انه مجرد ان يتقلد الوزاره سيكون مستباح الشرف و العرض حتي خبر اجداده يمكن ان يتعرضوا لهم ،،
إن مثل هذه الوقائع هي التي تدفع كثيرًا من النبلاء والمهنيين الصادقين إلى الابتعاد عن العمل العام. لا خوفًا من المهام، بل خشية على سمعتهم من الطعنات الخسيسة من اناس ليس لهم وزن و لا سمعه ، فقال الشاعر ، لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهُ، فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدمِ. فالسمعة عند الشرفاء رأس مالهم الحقيقي. لا تُبنى في يوم، بل تُنسج عبر سنين، ولا تُشترى، ولا تُعوّض إن فُقدت. ولأنهم يعرفون أن الطريق إلى القمة مليء بالألغام، لذا آثر كثير من الناس كثيرٌ من المؤهلين السلامة و الابتعاد بأنفسهم ، وانسحبوا بصمت، وتركوا الساحة لذوي الضجيج.
نعم، هناك فاسدون يجب أن يُحاسبوا، لكن الحساب لا يكون على قارعة المنصات ولا في صالات النميمة، بل في ساحات القضاء، وبوثائق لا بالأوهام. إنّ الكريمَ إذا خَاصَمتَـهُ حفظَ المودّةَ ما استَطاعا. فليتنا نُعلّم أبناءنا أن الخلاف لا يبرّر الكذب، وأن الكلمة مسؤولية لا نزهة. وأن من يفتري على الناس، لا يُسقطهم، بل يُسقط نفسه، من أعين الله أولًا، ثم من قلوب الناس. وليتنا نرتقي في خصومتنا كما نرتقي في صداقتنا. فالنبل لا يُختبر في لحظة الود، بل حين تختلف، فإما أن تسمو… أو تهوي.
في زمن كثر فيه الاغتيال المعنوي، فلنكن نحن الباقين على العهد: صدقٌ في القول، ونبلٌ في الخصومة، ورحمةٌ في الخلاف. لعلّ ما بقي في هذا العالم من ضوء، يحفظه من يُؤثر النقاء على الظَفَر، والحق على الشُبهة. إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر ولا المرض ولا حتى الحروب، بل تحلل منظومة الأخلاق، حين يصبح الافتراء وسيلة، والكذب أداة، والتشهير هواية. الكلمة أمانة، وحملها أمانة، والتفريط فيها خيانة. فلنحذر أن نكون أدوات في أيدي المغرضين، أو أبواقًا تردد ما لم نتحقق منه. ولنعلم أن من يصون لسانه، يحمي عرضه وعرض غيره، ويحفظ للمجتمع تماسكه. ففي عالم يزداد ظلامًا، لعلّ الكلمة الصادقة تكون شمعة تُضيء طريق الحق، وتبقي للإنسان قيمته وكرامته.



