من وحى لقاء البرهان بـ مسعد بولس : محاورة الأصيل أولى من أذياله وعملائه

بروفيسور أحمد مجذوب أحمد
ليس مستغرباً – بل هو أمر منطقي وواجب وطنى- أن تخطط الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق واستمرار سيادتها على العالم ، وأن تسعى لتأمين مستقبلها السياسي والاقتصادي والأمني، ومن أوجب واجباتها أن تستغل كل الإمكانات المتاحة لها لإنفاذ هذه الاستراتيجية، (المباشرة وغير المباشرة) فإن غضت الطرف عن عملائها فهي تعلم أنهم يقومون بواجبهم تنفيذاً لأجندتها، وإن تدخلت مباشرة لإنفاذ أهدافها – كما فعلت مع الصين – فهذا شأنها، وهي بكل ذلك تعمل لخدمة موقفها الاستراتيجي ، وتناور أحياناً أخرى ببعض المواقف والقرارات لتكسب الزمن حتى تتهيأ البيئة المناسبة لتحقيق أهدافها، وكل ذلك يعد من حسن إدارتها واستغلالها لإمكاناتها العلمية و الموارد البشرية والمادية لتحقيق اهدافها.
لكن العجز والتقصير ؛ ألا يكون هذا الفهم حاضراً عند الدول الأخرى، فتسير أحياناً بغير هدى ولا بصيرة، في شأنها الداخلي والخارجي على حد سواء، بل وبدلاً من السعي لتحقيق مصالحها – للأسف – يصبح بعض قادتها أدوات لخدمة مصالح العالم الخارجى (دور غورباتشوف فى الاتحاد السوفيتي) فيسند الأمر إلى غير أهله ، وهكذا تنشأ فيها مؤسسات رهينة لأجندات خارجية، فتبنى العلاقات الخارجية ويُبعث المبعوثون وتعقد وتنفض اللقاءات، من غير استلهام لهدف استراتيجي أو اختيار لموقف تكتيكي .. من غير وصول لهدف بين معلوم ، تسافر وفود وتحط رحالها أخرى ، دون حصاد ولا قطف ثمار .
الحقيقة التي يعلمها الكثيرون أن ما يجري فى السودان ليس بمعزل عن الاستراتيجيات الأمريكية، فكثير من الشواهد تؤكد أن ما تم كان برعايتهم وإشراف سفيرهم وتخطيط مؤسساتهم وتنفيذ حلفائهم وعملائهم ودعم منظماتهم ، الموصوفة زوراً بأنها أممية.
فهذا الأمر فى الظاهر (تهمة لا ينكرونها وشرف لا يدعونه)
فقد تبنت وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن لها رؤية لإقامة شرق أوسط جديد ، بل وأسست له مراكز البحث وأعدت له الدراسات واعتمدت له الخطط والاستراتيجيات ، وهذه حقيقة معلومة لغالب المهتمين بالسياسة الامريكية، ولا شك أنهم اطلعوا على استراتيجية الشرق الأوسط التى أعدتها لجنة (اولبرايت وعضوية الهادلي وآخرين) حيث أصبحت توصيات هذه اللجنة تمثل أساس العلاقات الخارجية الأمريكية المتحالفة مع الصهيونبة، وأصبحت هذه الاستراتيجية حاضرة في أي تحرك دبلوماسي أو عمل اقتصادي أو نشاط ثقافي فني ، وما لم يتحقق لهم بالحسنى استخدموا فيه الأدوات الأخرى، بما يشمل سياسات الترغيب للطامعين والترهيب للمتعنتين ذوي المواقف الصلبة والإرادة الوطنية الحرة.
هذه المقدمة تفسر صمت الولايات المتحدة الأمريكية – سابقا – عما يجري في السودان، لأنها كانت جزء من صناعته ، رغم تحقيقات صحافتها الداخلية وحديث ممثلي أحزابها فى الكونغرس عن انتهاكات الدعم السريع (الصريع) لحقوق الإنسان وممارسته للتطهير العرقي وتعدي بعض الدول على سيادة السودان أمام أعينهم، وهكذا ظلت صامتة أو قل متغافلة عما يحدث في السودان، بالرغم من أنها تراقب بدقة – في ذات الوقت – أداء الجهات التي أوكلت لها مهمة إخضاع السودان للولاء الأمريكي، وشملت هذه الجهات دولاً وأحزاب وجماعات ومؤسسات إعلامية وثقافية وأفراد ، ممن صنعتهم وأعدتهم لهذه المهمة، من قادة موهومين ومغفلين غير نافعين لأوطانهم.
وهكذا ضربت الولايات المتحدة الأميركية عرض الحائط بكل ما تدعيه من إعلاء لقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، فذهبت شعاراتها هباء مع سعيها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية ، فهذه شعارات لا تصلح فى هذا السوق ، بل الواقع يبين أن مواقفها ظلت متماهية مع مواقف التمرد ، تعلن ذلك صراحة وتتخفى تحت بعض اللافتات أحيانا أخرى، لكنها كلما ازداد الضغط والمحاصرة على عملائها ولاحت علامات الهزيمة لهم، عجلت بمبادرة أو أطلقت تصريحاً ينفخ الروح فى الجسد الميت للتمرد.
كل ما سبق يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية طرف أصيل فيما يجري فى السودان ، وبالتالي يصبح الحوار مع الطرف الأصيل أولى من الحوار مع أذياله ، من الدولة المتآمرة والقوة المتمردة الخاسرة، والعملاء المستترين والجهلاء المغيبين والرجرجةً من السياسيين، فذهاب رئيس مجلس السيادة لمقابلة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، خطوة جيدة، تؤكد أولا حرص الحكومة على حماية الوطن وسلامة مواطنيه، وثانياً: سعيها لتحقيق وإشاعة مبادئ الأمن والسلام والالتزام بهما فى ظل سيادة الدول على أراضيها واستقلال قرارها، تأكيدا لالتزامها بما نصت علية المواثيق الدوليةً
فالحوار المباشر ،أسرع وأنفع وأنجع فى حل المشكلات وتذليل العقبات ، لكن (وتحت لكن هذه عدة خطوط) ينبغى أن يميز وفد الحكومة بين المواقف التكتيكية والمواقف الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية، والتنبيه لذلك يأتي فى الأولويات – بالرغم من إدراكنا أن الاستراتيجيات هي أساس العمل العسكري – لكن التذكير بذلك مهم فى عالم تتقاذفه الأمواج وتتصارع فيه الأفيال ، ويأكل القوي فيه الضعيف.
وعليه فان قياس ما يُسمع من المبعوث ينبغي أن يكون دقيقاً وأن يُقرأ على ضوء المعطيات التى تدير وتحكم توجهات السياسة الأمريكية فى المنطقة ، هذا يعني تأكيد الجانب السوداني على الثوابت التى تحكم السياسة الخارجية ،وأن ينطلق الحوار بمعرفتهم لنقاط القوة التى يمتلكها السودان :
الانتصار على تآمر كبير لم يسبق له مثيل من حيث العدة والعتاد والدعم السياسي والمالي ، الموقع الإستراتيجي الأمني والاقتصادي المؤثر فى الملاحة الدولية ، الموارد الاقتصادية المتنوعة التى تفتقر لها كثير من الدول، والإرادة الوطنية الراسخة التى هزمت هذه المؤامرة، وإيمان السودان بتبادل المصالح والتعايش السلمي وسعيه لنشر الأمن و السلام العالميين، وأن ذلك من أولويات سياسته الخارجية، وفوق ذلك احترامه للمواثيق الدولية ، وسعيه لترسيخ قيم العدل على الجميع وألا تكون هناك ازدواجية في المعايير، وقناعته بأن كل دولة مسؤولة عن حماية أمنها وسلامة مواطنيها، كجزء من مفهوم الـ استقلال وبسط السيادة.
إن معرفة ذلك والانطلاق منه ، تحصن الوفد بألا ينبهر ويفرح بكلمة مجاملة تقال أو تصريح يصدر، أو تغريدة تكتب ، فكل ذلك يتخفى تحته مكر ودهاء وسياسات أعدتها غرف سياسية وأجهزة استخباراتية، متفرغة ومتخصصة، فإن مواقف الدول لا تفسر بلقاء واحد ولا بتصريح وموقف طارئ ، ولا بقول ممثل وموفد، وإنما ينبغي النظر إليه فى سجل أداء الحكومة الأمريكية تجاه السودان وأفريقيا وكذا الشرق الأوسط ، ومستوى تطور هذا الموقف.
وبذلك يرسل الوفد رسالة قوية، بأنه يتصرف وفق استراتيجية واضحة لا تقبل التجاوز ومبادئ ليست محل حوار .
ومن حسن الطالع أن هذا اللقاء تزامن مع أعياد القوات المسلحة، وما أكده رئيس مجلس السيادة القائد العام فى خطابه: أنه لا تفريط فى سيادة الدولة ولا نقاش فى استقلال قرارها ، وضمان وحدتها ، ولامجال لعودة من دمر الوطن، فى بنياته التحتية ونهب موارده المالية وسرق إرثه الحضاري والثقافي ، وغدر بزملائه رفقاء السلاح وخان العهد ، ونقض الميثاق الذى تأسست عليه العلاقات.
وهكذا يدرك الطرف الأمريكي أنه لم يعد الحديث عن طرف آخر أو ثان، قابل للتسويق للشعب السودانى، فقد عرف السودانيون عدوهم الذى لم يترك بيتاً ولا قرية ولا مدينة أو ولاية إلا ودمر بنيتها ونهب ثروات مواطنيها وهتك أعراضها،
وبالتالي فلا مكان فى العمل السياسي لمن رضي لنفسه أن يكون أداة لتنفيذ سياسات وأجندة تفتيت السودان ، وتمزيق نسيجه الاجتماعي وتدمير موارده الاقتصادية.
والمفاوض الذى يدرك ذلك يعبر عن تطلعات هذا الشعب، الذي اصطف بنفسه وموارده خلف القوات المسلحة لحماية الوطن وتأمينه ضد هذه الحملة التي شاركت فيها عدة دول تحت بصر الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسساتها الدولية والإقليمية .
فالشعب لا يقبل الجلوس مع الدولة التي رضيت لنفسها أن تكون أداة ، للتمويل وبوقاً للإعلام وقائدة لحملة التدمير .
لا يرضون ذلك لأنهم شاهدوا ماذا صنعت بهم هذه الدولة وهى تنفذ سياسات من علمها السحر وجعل منها أداة لتحقيق أهدافه، فصمت عن تجاوزاتها ، دون حياء ولا خجل . وإن كان ثمة جلوس و حوار فليكن مع الأصيل لا الذيل والعميل.
ولا شك أن مستوى أداء القوات المسلحة السودانية وانتصاراتها التى حققتها هي التي أخرجت صاحب السحر وصانع التآمر ليطلب الحوار المباشر مع السودان.
وبذات قوة الأداء الميداني، يجب أن تكون جلسات الحوار ، فهذا عالم لايحترم إلا الأقوياء ، والقوة ليست معدات وأجهزة وإلا لكان السودان فى خبر كان.
وسيظل السودان شعباً وأرضاً قوياً أمام كل طامع وعميل متآمر



