
المحقق – محمد عثمان آدم
قد يبدو البيان الأخير الذي أصدرته مجموعة التحالف من أجل تعزيز إنقاذ الأرواح والسلام في السودان (ALPS)، لا يحمل في ظاهره أي جديد يُذكر، لكنه في جوهره يوحي بوجود أمرٍ ما، بل وأمر جاد.
البيان، الذي يعكس مواقف خمس دول قوية، كلٌّ في مجالها، ومنظمتين دوليتين، جاء مسطحًا وحمال أوجه، جامعًا المواقف السابقة للمجموعة المذكورة والمطالب التي سبق أن عبّرت عنها تجاه الصراع في السودان.
إذا يشير في افتتاحيته إلى استمرار معاناة المدنيين وأنهم يدفعون الثمن الأغلى لهذه الحرب وإلى تدهور الوضع في السودان و وصول الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات حرجة، ويطالب أطراف النزاع اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين وفقًا لالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، وبموجب إعلان جدة الموقع في مايو 2023.
في الواقع، هو جردٌ للإدانات والتصريحات والمواقف التي سبق التعبير عنها لأنه لم يتطرق إلى التطورات الخطيرة على الأرض إلا قليلاً. إن أي بيان يعكس موقف الولايات المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية وسويسرا والإمارات، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والذي يفشل في تقديم توضيحات محددة، سيترك انطباعًا جامدًا بلا شك: فهناك تطورات وقعت هذا الشهر تحديدًا تحت أنظارهم وتستدعي إدانةً صريحة ومحاسبة المسؤولين عنها على أفعالهم: قصف المدنيين، ومنع الوصول، وتجاهل قرار الأمم المتحدة الداعي إلى رفع الحصار عن الفاشر والسماح بالإغاثة الإنسانية، وغض الطرف عن نقل الأسلحة والذخيرة إلى دارفور، ومهاجمة القرى والمدنيين في دارفور وكردفان !!
كان المرء ليتوقع بنودًا محددة للغاية تسمى الأفعال المخالفة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي التي تقوم مليشيا الدعم السريع وتقول إنها فعلت كذا وكذا، وأن الجيش فعل كذا وكذا، حتى يعلم الجميع عند اتخاذ أي إجراء أن هذه ليست سوى نتيجة ورد فعل لأفعال أطراف النزاع وإلا فإن المرء ليتساءل ما الذي حرك المجموعة لإصدار هذا البيان في هذا التوقيت، فهو قد خلا من أي حوافز لمن يمتثلون لمطالبه، ولا تهديدات باتخاذ أي إجراءات ضد من لا يمتثل لها. أنظر إلى هذه اللغة في البيان:
“لا يزال المدنيون يدفعون الثمن الأغلى لهذه الحرب. مع تدهور الوضع في السودان ووصول الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات حرجة، يتعيّن على أطراف النزاع اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين وتسهيل وصولها إليهم، وفقًا لالتزاماتها بموجب القانون الإنساني الدولي، والتزاماتها بموجب إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان، الموقع في مايو 2023.”
يعرف الذين صاغوا البيان مَـن الذي قام بكل أو جل هـذه الأفعال مِن واقع بيانات وإدانات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية والصور والفيديوهات، ومع ذلك صدر هذا البيان وفيه من التغبيش ما فيه وكأنه لا يريد أن يسمي الأشياء بأسمائها. لذلك أعطى ذلك انطباعًا بأن:
1- أولاً هذه الدول الخمس، والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، قد فشلت في التوصل إلى موقف مشترك قوي، فلجأت إلى البيان الزئبقي.
2- الافتراض الثاني هو أنهم أرادوا إجراءً حازمًا ذا صدى، لكن طرفًا أو طرفين داخل المجموعة اعترضا، ولذلك لم يكن عليهما سوى إصدار ذلك البيان الزئبقي الجامد.
3- أما الافتراض الثالث فهو أن هذه المجموعة أجمعت أمرها على فعل محدد كأن تلجأ بعد هذه الخطوة التمهيدية لإصدار قرار أممي من مجلس الأمن الدولي وهو أمر يبدو من شواهد ليس مجرد تحذير، وأن إجراءً حازمًا قادم، وبالتالي يتعين على الطرفين الامتثال وإلا سيواجهان العواقب.
4- أما الاقتراض الأخير فهو أن هذه المجموعة تتناقض مصالحها في السودان وأنه ما لم أحصل على الحد الأدنى فسيظل الوضع هكذا إلى أن تكون الغلبة في الميدان لأحد الطرفين أو أن ينهك الطرفان وبعدها يسعى التحالف إلى فرض شروطه، وحتى ذلك الحين سنشهد المزيد من مثل هذا البيان الذي يبدأ بقولهم:
“يعرب التحالف عن استيائه الشديد من التدهور المستمر للوضع الإنساني في السودان، بما في ذلك تزايد أعداد الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية الحاد والمجاعة، ومن تعدد المعوقات التي تحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق الرئيسية، مما يؤخر أو يعيق الاستجابة.”
أنظر إلى هذه القائمة الطويلة من المطالب التي يريدها التحالف من “الأطراف المتحاربة”:
1- رفع جميع العوائق البيروقراطية التي تعيق الأنشطة الإنسانية وتمنعها؛
2- الالتزام بالحفاظ على طرق الإمداد الرئيسية مفتوحة أمام القوافل الإنسانية والعاملين فيها، بما في ذلك من خلال فترات هدنة إنسانية وترتيبات أخرى حسب الحاجة.
3- وينبغي أن يشمل ذلك تمديد معبر أدري على المدى الطويل، واتفاقات بشأن الاستخدام المتوقع والمستدام للطرق الرئيسية عبر خطوط التماس المؤدية إلى دارفور وكردفان، بالإضافة إلى معابر إضافية من جنوب السودان؛
4- ضمان قدرة الجهات الفاعلة الإنسانية على تقديم المساعدة بأمان في جميع أنحاء السودان لجميع المدنيين المحتاجين، ودون خوف من الانتقام إذا قدمت المساعدة في المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف أخرى؛
5- ضمان مرور آمن للمدنيين للحصول على المساعدة والخدمات؛
6- السماح بوجود إنساني مستدام للأمم المتحدة وتسهيله في جميع أنحاء البلاد، لا سيما في المناطق ذات الاحتياجات الإنسانية الملحة، لا سيما في دارفور وكردفان؛
7- استعادة خدمات الاتصالات في جميع أنحاء السودان؛
8- ضمان حماية البنية التحتية المدنية الحيوية، لا سيما البنية التحتية للطاقة والمياه والصحة.
9- في بعض المناطق – لا سيما شمال دارفور وكردفان – ثمة حاجة ماسة إلى تدابير لتهدئة الأوضاع لتمكين الجهات الفاعلة الإنسانية من إيصال المساعدات.
10- لذلك، تدعو مجموعة التحالف أطراف النزاع إلى الالتزام بالتزامات جدة، والسماح بفترات هدنة إنسانية لتمكين نقل الإمدادات المنقذة للحياة إلى هذه المناطق، وتذليل العقبات أمام حركة المدنيين بعيدًا عن الخطر.
11- وتؤكد مجموعة التحالف بشدة على ضرورة احترام القانون الإنساني الدولي احترامًا كاملًا. ويشمل ذلك الالتزامات بحماية المدنيين، بمن فيهم العاملون في المجال الإنساني ومقارهم وممتلكاتهم، بالإضافة إلى السماح بوصول المساعدات الإنسانية بسرعة ودون عوائق إلى جميع المحتاجين وتسهيله.
لو أجرينا جردا على هذه المطلوبات لعلمت أنهم يدركون ما المطلوب ولكنهم لا يقولون لمن وقف عائقاً دون تحقيقها “أنت المخطئ” ومن ثم ينزلون عليه ما يستحقه من قرارات وعقوبات، أو انهم يبيتون أمرا ما ويحاولون أن يهيئوا المسرح الدولي لذلك، وهو ما أرجح، والسوابق كثيرة.



