الزراعة التعاقدية …. كديبة

في المقالات السابقة حاولنا القول أن الزراعة التعاقدية هي الخيار المتاح الآن… لتلافي العجز في الوضع الزراعي الماثل … هذا باعتبار أن الزراعة هي القطاع الاقتصادي الأول الذي يملك السودان فيه ميزات تفضيلية… وهي القاطرة التي تجر من خلفها بقية القطاعات الأخرى …كقطاع التجارة وقطاع النقل …وفوق البيعة قطاع الصناعة… وهي أي الزراعة هي المكافح الأول للبطالة… ناهيك عن مكافحة الجوع والفقر…
الأمر المؤكد بالنسبة لنا الزراعة التعاقدية ليست هي الخيار الأمثل في تحريك القطاع الزراعي…ولكنها في نفس الوقت ليست خيار أم خيار لاهي خير ولا الموت أخير …. نعم هناك خيارات كثيرة أفضل منها وأكثر تطوراُ منها وأكثر عدالة .. ولكنها في نفس الوقت ليست صيغة ظالمة وليست معطلة للإنتاج بل محفزة وفيها الكثير من الإيجابيات.. فتقييمها ينبغي أن يكون نسبياً أي حسب الظروف… وليس في الأمر أي إطلاق …
الوضع الأمثل أن يمتلك المزارع كل أدوات إنتاجه… أي من مدخراته الخاصة يفلح أرضه من جيبه من طق طق إلى سبحان الله… ويدخل بمحصوله سوق الله أكبر….درجة أقل من هذة أن يجد التمويل من الدولة ويتصرف في أرضه حسب السوق.. ودرجة أقل من هذة وفي حالة عجز الدولة… أن يجد تمويلاً ميسراً من جهة ممولة تتبع للدولة ولكن تتعامل على أسس تجارية أو من قطاع خاص…
ففي ظل انعدام الخيارات أعلاه ومع الحيازات الصغيرة التي هي طابع الزراعة في السودان… يبقى الخيار الأمثل هو قيام جمعيات للمزارعين … سمها ما شئت .. روابط مستخدمي المياة… أو جمعيات الإنتاج الزراعي أو… أو… وهو شكل من أشكال التعاونيات تقوم الاسهم فيه على الأفدنة التي يحوزها المزارع.. ولعله من المفارقة أنها قانونياُ هي السارية الآن في مشروع الجزيرة ومنذ 2011.. ولكنها محاربة من عدة جهات ومن ضمنها المزارع نفسه الذي قابلها بلامبالاة… وهنا وكاستثناء لابد من أن نذكر جمعية مكتب طيبة الزراعية بمنطقة فداسي… والتي كان يترأسها الباشمهندس عمر يوسف والتي قدمت نموزجا ناجحا في تطبيق ذلك القانون …. فاشترت المدخلات واختارت المحاصيل … وسوقت إنتاجها… فالقانون يسمح لأي جميعة أن تتعاقد مع مَن تشاء داخل وخارج البلاد إن شاء الله مع الجن الأحمر… ويسمح لها باختيار المحاصيل… وشراء المدخلات وتسويق المنتجات… وامتلاك الآليات ويمكن أن تصل مرحلة التصنيع … شريطة الالتزام بالضوابط الموضوعة… من قبل الدولة ومن إدارة المشروع… كالالتزام بالدورة الزراعية واستخدام المياة والحفاظ على الرقعة الزراعية وكل الذي منه… إن شاء الله لاحقاً سوف نعدد الجهات صاحبة المصلحة المضادة والتي حاربت تلك الفكرة الرائدة…
إلى حين قيام تلك الجمعيات وفي ظل الظروف البائسة التي تعيشها بلادنا… وعلى رأسها هذه الحرب اللعينة… والظروف التي اكتنفت الجزيرة جراء العدوان عليها… بعبارة جامعة في فقر البلاد والعباد ليس هناك ما هو متاح لمواكاة الجراب على العقاب أي إدراك ما يمكن أداركه… ألا الزراعة التعاقدية لتصبح الخيار المفضول ليس الأفضل… ولكنها في تقديري لن تصل مرحلة (ما متل أبوك لكن بربيك)….الزراعة التعاقدية صيغها كتيرة وفيها مرونة يمكن أن تتكيف مع كافة الظروف.. حتى التجربة المحدودة التي شهدتها الجزيرة كان هناك تباينا واضحا في الصيغ حسب كل شركة… الزراعة التعاقدية يمكن أن تصل مرحلة المزارعاة أي يكون المزارع شريكاً حتى مرحلة البيع بمعنى يقوم الممول بتوفير كافة المدخلات… ويحسب جهد المزارع… وبعد أن يباع المحصول تخصم التكلفة كلها… وتقسم الأرباح بين الطرفين.. فالمزارعاة صيغة قائمة بذاتها غير السلم.. بفتح السين… وأذكر مرة أنني طرحت صيغة المزارعاة على أحد الممولين فوصفها بأنها عملية منصفة…
عندما رشحنا رأس المال المصري للدخول في هذة التجربة ذلك للوحدة الجغرافية بيننا… وللخبرة المصرية التراكمية… ولأنها السوق الأكبر والأقرب بالنسبة لنا… ولكن هذا لايمنع دخول ممولين من بلدان أخرى كالخليج مثلا… بيد أن الشركات الخليجية تميل دوما للتمليك في المساحات الكبيرة وللمدد الطويلة قرن وما يقاربه أو ما فوقه .. مع البنيات الأساسية المستدامة… ولا تميل للشراكات مع الحيازات الصغيرة… فإذا جاءت الآن فمرحبا في فيافي السودان… هذا إذا تجاوزت مرارتها الناجمة من الفساد السوداني، ذلك الفساد من النوع (أبوكديس).. أما إذا وجدنا راساميل خليجية صغيرة في حجمها وفي طموحاتها فينبغي أن نرحب بها.. وبهذه المناسبة اتصل قبل يومين أحد الأصدقاء القراء من جنوب الجزيرة ويشغل منصباً مالياً كبيراً في شركة خليجية كبيرة في مجال المدخلات الزراعية… وقال لي إنه تفاكر مع مديره صاحب الشركة… وقد أبدى موافقته على خوض هذا النوع من التجارب… فقلت له طالما أنك محل ثقة مديرك ومحل ثقة أهلك… فارجع إليهم في الموسم الشتوي القادم علينا دا… ومول ليك مساحة محدودة من خمسمائة إلى ألف فدان قمح ثم قيم التجربة… ونصحته بأن يفعل ذلك بهدوء شديد… دون أي إعلان خوفاُ عليه من (الكباتن)… وذكرت له تجربة أحد معارفي من قرية السريحة الذي قام بتمويل حوالي سبعين مزارعا… لزراعة حوالي خمسمائة فدان قطن وقد جلب المدخلات من شركة تركية وهي التي اشترت منه القطن… دون أن يسمع بها أي من كباتن الحكومة أو الإدارة… وقد أخدت الإدارة ضريبتها مما جميعه… وأخدت الحكومة مكوسها في وارد المدخلات وصادر القطن على دائر المليم.. وقد انبسط هو والمزارعون الذين مولهم غاية الانبساط.. بالله شوفوا المحن دي حتى هذا الحلال الطيب النافع للبلاد والعباد أصبحنا لا نصرح به خوفاً من الكباتن ولا حولا ولاقوة إلا بالله العلي العظيم…
وبمناسبة السريحة تلك القرية الوادعة الراقية وقد كانت مضرب مثل في كل شي جميل بما في ذلك الزراعة .. فقدت في الحرب الأخيرة فوق الاربعمائة شهيد في حملة عدوانية جايرة رحمهم رحمة واسعة وأسكنهم الفردوس الأعلى…
كنت أود أن يكون هذا المقال هو الأخير في هذة السلسلة فالكديب ليس بعده إلا فك الموية … ولكن يبدو أنه مازال في الجراب باق فالزراعة دي بلغة الشباب كاسرة فينا ضلعة فاستحملونا..



