رأي

دور العود في تاريخ الغناء السوداني: من عشرينات القرن العشرين إلى اليوم

 

موسيقار دكتور حمزة سليمان

يمثّل العود في السياق السوداني أكثر من مجرد آلة موسيقية؛ إنه جسر حضاري وثقافي ربط السودان بمحيطه العربي، وفي الوقت نفسه، أصبح وعاءً تعبيريًا صقلته خصوصية التذوق السوداني وتموضعه في بيئة ثقافية متعددة المشارب. فمنذ عشرينات القرن العشرين، لعب العود دورًا محوريًا في تشكّل الحداثة الغنائية السودانية، وساهم بفعالية في الانتقال من التعبير الشفاهي التقليدي إلى الأشكال الموسيقية الحديثة.

*1. العود في بدايات القرن العشرين: لحظة التحوّل*

شهدت العاصمة الخرطوم وأم درمان منذ العقد الثاني والثالث من القرن العشرين تفاعلاً متزايدًا مع التأثيرات الموسيقية القادمة من مصر والحجاز، حيث بدأ العود يظهر كآلة مصاحبة لبعض الروّاد الأوائل في الغناء السوداني الذين تَعلّموا العزف عليه من خلال التواصل الثقافي مع الفرق المصرية والموسيقيين العرب. كان هذا متزامنًا مع نشوء ما يُعرف لاحقًا باسم “غناء الحقيبة”، وهو الشكل الغنائي الأول الذي مثّل الحداثة في الغناء السوداني.

ومع أن غناء الحقيبة كان يعتمد في الأصل على الكورس والإيقاع ، إلا أن العود بدأ يتسلل تدريجيًا إلى بنية التلحين، خصوصًا في الجلسات الخاصة والتجريبية، ما مكّن من استيعاب مقامات موسيقية أكثر تنوعًا. لم يكن العود آنذاك شائعًا في الأداء العام، لكنه كان يُستخدم كلغة للتلحين داخل الدوائر النخبوية والمثقفة، وأدى دورًا مهمًا في تشكيل الأذن الحديثة.

*2. العود وآفاق اللحن الفردي: الأربعينات والخمسينات*

مع صعود الفنانين المجدّدين مثل كرومة، وسيد عبد العزيز، وسرور، بدأت تظهر محاولات أكثر نضجًا لاستخدام العود في التلحين، وإن لم يكن ظاهرًا على خشبة المسرح. ومع دخول أحمد المصطفى، وعبد العزيز داؤود وثنائيته مع برعي محمد دفع الله ، وعثمان حسين، إلى الساحة، أصبح العود جزءًا أصيلاً من صناعة الأغنية، ليس فقط كأداة تلحين بل أيضًا كأداة أداء مباشر، خصوصًا على يد عثمان حسين الذي أجاد العزف عليه وأعاد إنتاج الأغنية السودانية في قالب أكثر لحنية وانفتاحًا على النغم العربي.

هنا، بدأت معالم المدرسة اللحنية السودانية في التشكل، وظهر أن العود قادر على التعبير عن خصوصية الإيقاع والمقام السوداني، من خلال تطويع الأداء العربي التقليدي ليناسب الذائقة المحلية.

*3. العود والتعبير الفردي: الستينات والسبعينات*

مع مرحلة الستينات، وهي فترة الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي، تَصدَّر العود المشهد بوصفه أداة التعبير الفردي والوجداني. في هذه المرحلة، بزغ نجم فنانين مثل محمد الأمين، الذي لم يكن فقط مغنيًا ومؤلفًا موسيقيًا، بل أيضًا من أبرز العازفين على العود، وقدّم عبره تجربة لحنية مركّبة جمعت بين المقامات الشرقية والتفاعلات الإيقاعية السودانية المركّبة

كما شكّل العود آنذاك وسيلةً لتوطين التجريب والحداثة داخل المشروع الفني السوداني، وكان ظهوره في الحفلات العامة والتسجيلات الإذاعية بمثابة إعلان عن اكتمال دوره كمحور أساسي في بنية الأغنية

*4. العود والهوية الفنية في الثمانينات والتسعينات*

في هذه المرحلة، تبلور العود كجزء من الهوية الفنية للفنان الفرد، لا سيما أولئك الذين تبنوا مشروع الأغنية الملتزمة والمثقلة بالمعاني الفكرية والوجدانية.

في ذات الوقت، بدأت تتشكّل تجارب موازية في الهامش الجغرافي والثقافي، وظّفت العود في سياقات موسيقية محلية (مثل الطمبور، المردوم، والدلوكة)، ما أفرز تجارب هجينة ومُلهِمة أعادت قراءة العود ضمن نسيج موسيقي سوداني أصيل.

*5. العود في الألفية الجديدة: بين التقاليد والتجريب*

وفي ظل الحراك الثوري الذي شهده السودان مؤخرًا، عاد العود للواجهة كأداة مرافقة للنشيد والمقاومة، حاملاً شجنًا جماعيًا يتكثف في أدائه البسيط والعميق في آنٍ معًا.

*نخلص إلى:*

إن العود في السودان لم يكن مجرد آلة وافدة، بل أعاد السودانيون تعريفه وتكييفه ليصبح حاملًا لهويتهم الفنية، ومرآة لتحولاتهم الثقافية. لقد واكب العود مسيرة الغناء السوداني من لحظة المخاض الحداثي في الحقيبة، إلى التعبير الفلسفي والاجتماعي في الأغنية الملتزمة، إلى فضاءات التجريب المعاصر.

وإذا كان لكل آلةٍ وجدان، فإن وجدان العود السوداني مفعم بالشجن والتمرد و الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى