انتخابات رئاسة جمهورية مالاوي – نموذج على مستوى أفريقيا في الانتقال السلمي للسلطة

المحقق – علي البصير
أجمعت الأمة المالاوية عبر صناديق الاقتراع على عودة البروفسيور آرثر بيتر موثاريكا رئيساً للجمهورية وقائداً للتغيير الذي ينشده المواطن في معيشته وأمنه وصحته وتعليم أجياله، وهي عودة لرسم خارطة طريق جديدة في المشهد السياسي والاقتصادي الملاوي، تنتظرها العديد من التحديات الكبيرة، مع وجود فرص متميزة كفيلة بإخراج مالاوي من أزمتها التنموية الراهنة.
عانت جمهورية مالاوي خلال فترة رئاسة الدكتور تشاكويرا، الرئيس المنتهية ولايته، من ضائقة اقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم بصورة غير مسبوقة، بالإضافة لشح الوقود وارتفاع معدلات الفقر، وانعدام الخدمات الصحية وانتشار الأمراض والإوبئة، والتأثيرات الكبيرة للتغير المناخي، لذلك يرى الخبير السياسي المستقل في مالاوي إرنست ثيندوا، وآخرون أن نتيجة الانتخابات التي جرت يوم 16/9/2025م وتم الإعلان عنها أمس (الأربعاء) ليست مُتعلقة بموثاريكا بقدر ما كانت استفتاءً ضد تشاكويرا، وقال لقد صوّت المالاويون لصالح موثاريكا لأنه شخصية معروفة، ويأمل الكثيرون أن يتمكن على الأقل من استعادة الاستقرار.
*مطالب الملاويين:*
الملاحظ أن مسار الانتخابات في مالاوي استصحب إرادة الامة المالاوية ومطالبتها بالإصلاحات العاجلة، حيث دون نشطاء وقادة رأي عام على وسائل الاعلام المحلية مطالب الشعب من الحكومة الجديدة والتي تتمثل في توفير وظائف للشباب العاطل عن العمل، وتوفير الأمن الغذائي، وتوفير إمدادات الوقود واستقرارها، وخفض أسعار السلع الاستهلاكية، مع ضمان أن الأمن والعدالة يحميان كل مواطن، والأهم من ذلك، حماية سيادة مالاوي من الاتفاقيات الدولية الاستغلالية.
وقال بونيفاس دولاني، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ملاوي تتطلب ثروتنا الطبيعية حماية فورية وإدارة سليمة: يجب وقف أنشطة التعدين غير القانونية وإعادة التفاوض على صفقات التعدين القائمة لضمان حصول المالاويين على عوائد عادلة من مواردهم الخاصة، بينما يتطلب قطاعنا الزراعي إصلاحًا شاملًا لإطلاق العنان لإمكانات تربتنا الخصبة. والأهم من ذلك، أن مواردنا الوفيرة من المياه العذبة تُمثل منجم ذهب غير مستغل يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في اقتصادنا – فمع التنمية السليمة، نمتلك القدرة على إطعام ليس فقط ملاوي، بل أفريقيا كلها.
*التحدي الاقتصادي:*
ويعتبر الوضع الاقتصادي لمالاوي من أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة وبناءً على البيانات المالية والتقارير الاقتصادية، يشهد الدين الوطني لمالاوي ارتفاعًا مستمرًا، مع توفر تقديرات مختلفة لفترات زمنية مختلفة حتى عام 2025. في أوائل عام 2025، قُدِّر إجمالي الدين العام بحوالي 86.4% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد.
ووفقاً لتحليل استدامة الدين الصادر عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في أبريل 2025 أن إجمالي دين القطاع العام في مالاوي بلغ 93% من الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغ مكون الدين المحلي 5 مليارات دولار أمريكي وبلغ رصيد الدين الخارجي 4.27 مليار دولار أمريكي في سبتمبر 2024.
وفيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية فقد أثارت انتخابات مالاوي لعام 2025 واحدة من أكبر التغييرات السياسية في التاريخ الحديث لملاوي، حيث فقد أكثر من 110 من أصل 193 عضوًا في البرلمان من دورة 2019- 2025 مقاعدهم – من بينهم 14 وزيرًا ويُظهر تحليل نتائج مراكز فرز الأصوات في الدوائر الانتخابية أن وفودًا بأكملها في خمس دوائر انتخابية قد اختار الناخبون مجموعة جديدة تمامًا من الممثلين، وهو ما يشير إلى تشكيل جديد في الخريطة السياسية للبرلمان و يُشير أيضًا إلى حقبة جديدة من المساءلة المُعزّزة ، بغض النظر عن الانتماء الحزبي أو الوضع السياسي.
*فصل جديد:*
بانتخاب بروفسيور آرثر بيتر موثاريكا رئيساً لجمهورية مالاوي، فان فصلاً جديداً بدأ يتشكل في تاريخ الحكم في مالاوي، حيث عكس السباق الرئاسي في مالاوي الأهمية القصوى للإدارة الاقتصادية، والمساءلة، والنزاهة في الحوكمة، والمسؤولية المالية، وضرورة أن يظل القادة على تواصل مع احتياجات مواطنيهم.
اتسمت الأجواء السياسية المحيطة بالانتخابات الأخيرة بالتوتر، مع اهتمام شعبي واسع النطاق وتدقيق متزايد من جانب كل من المراقبين المحليين والشركاء الدوليين، إلا أن خطوة الرئيس السابق تشاكويرا للاعتراف بالهزيمة لعب دورًا حيويًا في الحفاظ على الاستقرار السياسي وتجنب أي فوضى محتملة. هذا يُشير إلى أتباع حزب المؤتمر الشعبي المالاوي وعامة الشعب لنهج قيادي ناضج يُعطي الأولوية للوحدة الوطنية والاستقرار على المصالح الحزبية.
ويمكن القول بأن جمهورية مالاوي قدمت نموذجاً مشرفاً على مستوى أفريقيا في الانتقال السلمي للسلطة، وهو ما يمهد الطريق للحكومة الجديدة للعمل في أجندة النهوض بالبلاد وتوفير احتياجات مواطنيها.



