رأي

صادرة الذرة وتحديات المنافسة العالمية

حبيب الله عبد الوهاب **

سنتناول هنا أداء صادرات السودان الزراعية الرئيسية بشقيها الحيواني والنباتي (اللحوم الحية والمذبوحة + المحاصيل) ومساهمتها في الميزان التجاري خلال السبع سنوات الأخيرة التي سبقت الحرب مع التركيز على محصول الذرة الرفيعة وإمكانية تحقيق اختراق فيما يتعلق بمساهمتها في إنعاش هيكل الصادرات الزراعية.

على الرغم من أن السودان كما هو معلوم يعتبر بلد زراعي بامتياز نظرا إلى وفرة موارده المائية وسعة أراضيه الخصبة وتعدد المناخات إلا أن صادراته الزراعية ما زالت دون الطموح فلم تتجاوز عتبة الـ 50% من اجمالي الصادرات.

تحليل الميزان التجاري:

بتحليل بسيط ونظرة شاملة لهيكل صادرات السودان الزراعية الرئيسية وهي السلة التي تتألف من صادر القطن – الصمغ العربي – السمسم – الفول السوداني – الذرة – حب البطيخ واللحوم الحية والمذبوحة، و من خلال العرض الاحصائي الذي قدمه البنك المركزي للسبعة أعوام التي سبقت الحرب، ندرك و بشكل واضح أن نسبة مساهمتها في الميزان التجاري في حدود الـ 48% من إجمالي الصادرات التي تضم إلى جانبها (اي الصادرات الزراعية الرئيسية) صادر الذهب و البترول و غيرها، حيث بلغ المتوسط السنوي لإجمالي كل الصادرات خلال هذه الفترة 3.86 مليار دولار تضمنت الصادرات الزراعية الرئيسية بمتوسط سنوي فقط 1.84 مليار دولار , تصدرت اللحوم بصنفيها أعلى نسبة مساهمة إذ بلغت 38% من اجمالي الصادرات الزراعية الرئيسية إذ حققت خلال ذات الفترة متوسط 686 مليون دولار على أساس سنوي فيما تذيلت الذرة الرفيعة قائمة المساهمة بنسبة متوسطها 2% فقط من اجمالي الصادرات الزراعية الرئيسية خلال ذات الفترة ,فحققت متوسط 37 مليون دولار فقط .

هيكل الصادرات الزراعية ومضاعفات الحرب:

لعله من المعلوم أن النشاط الاقتصادي ككل تعرض بسبب الحرب لهزة عنيفة كنتيجة طبيعية ولأن الميزان التجاري هو أحد أهم المؤشرات الاقتصادية تعرض هو الآخر لأقسى هزة في تاريخ التجارة الخارجية للبلاد حيث خرجت من دائرة الصادر كلياً أو جزئياً عدد من الصادرات الزراعية المهمة من بينها الصمغ العربي واللحوم إلى جانب الفول السوداني وهي تمثل أكثر من 50% من حجم الصادرات الزراعية الرئيسية أو ما يعادل أكثر بقليل من واحد مليار دولار وذلك مرده إلى أن مناطق انتاجها لم تعد آمنة بسبب انتهاكات المليشيا.

السمسم يتراجع بسبب المنافسة العالمية:
محصول السمسم الذي يمثل وحده 35% من حجم الصادرات الزراعية الرئيسية ، وعلى الرغم من أن معظم مناطق انتاجه تقع في الحزام الآمن إلا أن مساهمته في الميزان التجاري تراجعت إلى اقل من 60% عن السنوات السابقة تحديدا العام السابق و أكثر تراجعا ما شهده النصف الأول من هذا العام و ذلك يرجع بصورة واضحة إلى ارتفاع عناصر تكلفة التصدير و قد تزامن هذا الارتفاع في التكلفة مع قوة حضور السمسم البرازيلي في السوق الصيني خاصة بعد أن وقعت الصين و البرازيل في نوفمبر 2024 م اتفاقية تاريخية قضت باستيراد الصين للسمسم البرازيلي ذي الجودة العالية و السعر المنافس، و الصين كما هو معلوم للذين ينشطون في سوق التجارة العالمية هي أكبر مستورد للسمسم في العالم و كانت تعتمد بشكل أساسي على السمسم الأفريقي و على قمة القائمة السمسم السوداني، و رغم أن السمسم البرازيلي الذي تم تصديره إلى الصين حتى الآن قد بدا متواضعا إلا أنه سيمثل تحدياً كبيراً خلال السنوات القادمة، الأمر الذي يضع مزيدا من الضغوط على صادر السمسم السوداني.

انهيار هيكل الصادرات الزراعية:

انهار هيكل الصادرات الزراعية إما بسبب مباشر من الحرب في حالة اللحوم، الصمغ العربي والفول السودان، أو بسبب المنافسة في حالة السمسم، وبهذا نستطيع أن نصل إلى حقيقة مهمة و هي أن الميزان التجاري للبلاد قد فقد حجماً مؤثراً من السلع الزراعية الرئيسية التي كان يقوم عليها و سيستمر هذا الانهيار إذا لم تدرك وزارة التجارة والصناعة خطورة الوضع وتتداركه بسياسات واضحة و ثابتة و جريئة بمشاركة وزارة الزراعة و اتحاد الزارعيين و الولايات ذات الثقل الزراعي، تحديداً ولايات القضارف، سنار ، الجزيرة ، جنوب النيل الأزرق و النيل الأبيض، مع السعي الجاد لإدخال محصول بديل قادر على تخطي حواجز المنافسة و يتمتع السودان فيه بميزة نسبية، و لعل أقرب و أنسب و أفضل بديل على الأقل في الوقت الراهن هو الذرة الرفيعة.

الذرة المحصول الواعد:

لأن السودان ينفرد بإنتاج مميز و نوعي من الذرة الرفيعة فقد نال في منتصف هذا العام عضوية مبادرة منظمة الأغذية و الزراعة التابعة للأمم المتحدة (بلد واحد منتج واحد ذو أولوية) ضمن خمسة و تسعين بلداً حول العالم (95) و هي مبادرة عالمية تهدف إلى دعم تحويل الأنظمة الغذائية الزراعية لتصبح أكثر كفاءة وشمولية ومرونة واستدامة، من خلال التركيز على منتجات زراعية خاصة. ومن هنا تكتسب الذرة الرفيعة أهمية خاصة كونها غذاء رئيسي في السودان كما أنها تعتبر عنصر غذائي لعدد من الشعوب حول العالم مما جعل برنامج الغذاء العالمي يركز على استيرادها بشكل دوري لعدد من السنوات السابقة وبكميات تجارية كبيرة قبل أن يتم حظر تصديرها من قبل وزارة التجارة، بجانب ذلك كله تعتبر الذرة الرفيعة محصولاً ذا قيمة اقتصادية عالية و أن سعرها في أحيان كثيرة يعتبر أعلى من سعر القمح (إقليم البحر الأسود ، أوكرانيا و روسيا) كما أن لها مكانة مقدرة في سوق الأعلاف العالمي لما لها من جودة عالية، كل هذه الميزات التنافسية كانت ستمكنها من الاستحواذ على طلب عالمي مستمر و مستقر لولا قرار حظر التصدير.

الذرة وفرصة توازن الميزان التجاري:
بحسب تقديرات وزارة الزراعة السودانية و تقديرات منظمة الأغذية و الزراعة، فإن الإنتاج السنوي الفائض عن حاجة الاستهلاك المحلي من هذا المحصول يتراوح ما بين 3 مليون إلى 4 مليون طن، لكن دعونا و لغرض تقريب الصورة نفترض أن التقديرات تتوقف عند حاجز 2 مليون طن على أساس سنوي، فإن الذرة الرفيعة بهذا الحجم إذا قدر لها أن تجد طريقها إلى الأسواق العالمية فإنها ستحقق قفزة هائلة في الميزان التجاري و من الممكن أن تصعد بمساهمتها ضمن الصادرات الزراعية الرئيسية من 2% إلى 30% في أول موسم قادم، فاذا كان مؤشر السعر للطن تسليم بورتسودان سيتوقف عند مستوى 250 دولار كما كان عليه الحال قبيل حظر التصدير (علماً بأن الذرة الأمريكية و الأرجنتينية سعرها 300 دولار للطن و هي ذرة محورة وراثيا بينما الذرة السودانية غير محورة) فإن عائد الصادر المتوقع من تصدير 2 مليون طن سيكون مقداره 500 مليون دولار و هو حجم يجعل مساهمتها تقترب إلى حدود مساهمة السمسم وتتجاوز مساهمة الصمغ العربي و الفول السوداني و هما في أفضل حالتهما خلال السبع سنوات التي سبقت الحرب، فقد كان أفضل أداء للصمغ العربي في العام 2022 حينما بلغ عائده 139 مليون دولار أما الفول السوداني فقد حقق أفضل أداء له في 2021 حين بلغت عائداته 423 مليون دولار، فكيف يكون الحال إذا قفز حجم صادرها أي الذرة الرفيعة من 2 مليون طن إلى 4 مليون أو زادت أسعارها في السوق العالمي إلى 300 أو 400 دولار للطن تسليم بورتسودان، بل كيف يكون الحال إذا حدث الأمران معا. قطعا ستنتقل الذرة الرفيعة إلى مستويات مساهمة الذهب وهذا تفاؤل مشروع و متواضع.

لا مخاوف من حدوث فجوة غذائية:
لا خوف من حدوث فجوة غذائية في عموم البلاد إذا تم استئناف صادر الذرة الرفيعة وذلك لأسباب موضوعية وواقعية منها: –

أن معظم المجتمعات التي تعتمد على الذرة كغذاء رئيسي لها ولماشيتها هي ذاتها نفس المجتمعات التي تباشر زراعتها، هذه المجتمعات كما هو معلوم تقوم بتخزين ما نسميه (مونة السنة) فلا تخاطر بإرسالها إلى الأسواق المحلية، وهذا يعني بالضرورة أن معظم الإنتاج الذي يذهب إلى هذه الأسواق يشكل عرضا كافيا لإمداد الأسواق العالمية واحتياجات المنظمات الأجنبية التي تعمل في مجال الإغاثة.

غالب عواصم الولايات التي تنتج الذرة وحواضرها الريفية تقتات على رغيف الخبز (القمح) بشكل أساسي ولا تعتمد على الذرة الرفيعة إلا في حدود ضيقة وهو أمر معلوم للكافة.

بحسب التقديرات المتاحة من قبل وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) فإنه من المستبعد حدوث فجوة غذائية نظراً لوفرة الإنتاج.

أهمية استدامة السياسة الاقتصادية الخاصة بالذرة؛

إذا تم استئناف صادر الذرة وفق سياسة ثابتة ومستقرة وواضحة لعدد من المواسم فإن هذا من شانه أن يؤدي إلى: –

أولا: – زيادة الأسعار في الأسواق المحلية بسبب الطلب الذي سينشأ لصالح التصدير لكن زيادة الأسعار هذه وفي هذا التوقيت بالذات ستؤدي إلى تحفيز المنتجين وتدفعهم إلى التحضير المبكر والاستعداد الجيد للموسم المقبل سعيا وراء جني المكاسب المشروعة بالتالي سينعكس هذا بدوره على زيادة حتمية في الإنتاج.

ثانيا: ستزيل مخاوف المستثمرين التي تثيرها السياسات المترددة والتي تمثل بالطبع أعلى درجات المخاطرة بالنسبة لهم باعتبار أن الاستثمار في قطاع الزراعة هو من الاستثمارات متوسطة وطويلة الأجل وتحتاج إلى تدابير رأسمالية ولوجستية مبكرة وأصول ثابتة يتم الاستعانة بها لعدد من المواسم مما يقود إلى تحقيق مستويات مرتفعة من الإنتاجية من حيث الكم والكيف في المواسم المقبلة.

ثالثا: ستقود إلى التوسع في زراعتها لتشمل مشاريع القطاع المروي بدلا عن الانكفاء على الزراعة المطرية بل إن قطاع الزراعة المطرية نفسه به مساحات لم تستغل بعد ستدخل دائرة الإنتاج حتما إذا اكتسبت الذرة الرفيعة زخما كافيا من التشجيع.

رابعا: المنافسة في الأسواق العالمية بأي منتج تستدعي أن يكون امداده متواصلا ومستقرا ولن تصمد أي سلعة في الأسواق العالمية مهما كانت جودتها إذا فقدت خاصية الامداد المستمر فإذا كانت السياسة الاقتصادية الخاصة بصادر الذرة على قدر التحدي من الثبات والوضوح والاستدامة فسيغير صادر الذرة تصميم ومكونات هيكل الصادرات الزراعية إلى الأفضل.

خامسا: إذا استطاعت وزارة التجارة والصناعة أن تحافظ على سياسة ثابتة ومستمرة بخصوص صادر الذرة الرفيعة فان مستويات الإنتاج ستتضاعف ومعها ستزدهر صناعة العلف محليا وتتطور، وهذا يعني بالضرورة دعما غير مباشر لزيادة حجم صادر الثروة الحيوانية من اللحوم الحية والمذبوحة، ومعلوم أن اللحوم ظلت تحتفظ بأكبر سهم لها في الميزان التجاري و في جانب الصادرات الزراعية الرئيسية.

سادسا: قطاع المنتجين للذرة الرفيعة من الشركات الاستثمارية الكبيرة وجمعيات المزارعين التعاونية وصغار المزارعين إلى جانب مؤسسات التمويل الوطنية والأجنبية كلهم على أشد الاستعداد لقبول التحدي وخوض معركة إنتاجية حقيقية تنقل محصول الذرة الرفيعة من وضعية الإنتاج التقليدي والسوق المحلية إلى انتاج اقتصادي وسوق عالمية لكنهم ينتظرون فقط سياسات اقتصادية وتجارية ونقدية ومالية واضحة ومستقرة تتصف بالاستدامة.

سابعاً: استدامة سياسة التصدير تعزز حالة اليقين لدى المستثمرين وهو أمر مهم و تأتي أهميته من كونه يرتبط ارتباطا قويا بقرارات الاستثمار طويلة الأجل وهذا سينعكس بدوره على مستوى ومعدلات النمو الاقتصادي ككل.

ونحن إذ نتناول موضوع صادر الذرة بقدر كبير من التفاؤل يجدر بنا أن نذكر المسؤولين وفي وزارة التجارة والصناعة خاصة، بأن يلتفتوا إلى المطبات الخطيرة التي يمر بها هيكل الصادرات الزراعية وألا يتركوا جبل الرماة لصالح قضايا انصرافية، فالحرب ليست في الميدان العسكري فحسب والميزان التجاري هو الآخر يحتاج إلى إسناد.

خبير تجارة دولية **

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى