أخبارثقافية

الذاكرة السودانية: خليل فرح .. نوبي حذق لغة العرب  

محمد الشيخ حسين

الذي لا جدال فيه هو أن سيرة الشعر الحديث في السودان ستتوقف كثيراً عند سيرة الشاعر النوبي الفذ خليل فرح.

الذاكرة السودانية في هذه الاصدارة تستعرض (قدلة يامولاي، في ذكرى خليل فرح).

أفكار جديدة وكلمات جميلة تطرح من خلال العديد من الآراء من الذين يمتلكون ويختزنون إفادات متعددة عن أسرار عبقرية الخليل.

ولا غرو في ذلك فقد بدأ خليل فرح حياته الشعرية في الوقت الذي كانت فيه البلاد تبحث عن صياغة جديدة لنفسها وتاريخها وفكرها، بعد أن أعلنت عن رغبتها في ذلك بقيام ثورة 1924، وهنا يعتبر الأستاذ إبراهيم أبو شنب مؤلف كتاب (ظلال من تاريخ الغناء في السودان) أن إبداع خليل فرح لا يوصف بكلمات، فالقصيدة عنده (إبداع مركب عميق). ويستدل بقصيدة (ما هو عارف) التي جمعت بين الوطنية والشجون التي كانت تحاصره في اختزال للمعاني بطريقة الدوبيت. ويعتبر عنصر الوطنية في شعر الخليل ضمن الأسباب التي لفتت الأنظار.

ويفيد الأستاذ أبو شنب أن ظهور خليل فرح في أم درمان وسكنه في حي بيت المال، جعله كنانة الأغنية السودانية. وهذه الإفادة شائعة وسط الأمدرمانيين نقلا عن إبن عمه الراحل محمد عثمان بدري.

غير أننا هنا ننبه إلى أننا لا نتحدث في التاريخ، وإنما في التجربة الإنسانية، وهي المعنى الحقيقي للتاريخ. ولا قيمة لأن نتذكر إذا لم تقترن الذكريات بالتفكير. ونخلص إلى أن هذه هي الحقيقة أو القيمة الحقيقية للذاكرة التي يتعين علينا الحرص على إبقائها حية.

وعودة إلى سكن خليل فرح في أم درمان، فتلك إفادة غير دقيقة استنادا إلى رواية دونها الصحفي المخضرم الأستاذ محمد صالح يعقوب نقلا عن الشاعر الملحن الراحل حدباي أحمد عبد المطلب.

وتفيد هذه الرواية أن الظهور العلني لعبقرية خليل فرح كان مع قصيدته (أذكر بقعة أم درمان).

ويسرد الأستاذ محمد صالح يعقوب نقلا عن حدباي (عنصر الوطنية الذي حوته القصيدة زاد حماس كثير من المثقفات والمثقفين للبحث عن الشاعر لكي يملي عليهم نص القصيدة كاملة لحفظها أو لاستكمال النقص الذي اعتورها أحيانا عندما شاع ذكرها وتزايد تنقلها بين ذاكرة وأخرى).

وحسب رواية حدباي كان أشد الناس حماسا للبحث عن خليل فرح أولئك الذين تربطهم صلات بالأسماء التاريخية التي وردت في القصيدة من أمثال: بطرأ السوكي زمان

كانوا نحاف جسوم ما سمان

في السودان فتيح معروف

لسه أب عنجة خوره سروف

ودنوباوي ذو المعروف

بادي وديك مشارع أب روف

كانوا جبال تقال ومكان

النزلوا اتربعوا الأركان

ويتابع حدباي: لما شاعت القصيدة كانت أكثر بيوت الأحياء التي ذكرت وكذلك الأسر القديمة المسماة عليها سعت لتدوينها والاحتفاظ بها بحسبانها من الأعمال الوطنية التي تفاخر بها الأهل من أبناء السودان. ومن هنا نشأت المصادفة الغريبة التي نجمت عن هذا السعي، ذلك أنني كنت عام 1928 أسكن مع خليل فرح في بيت واحد بالخرطوم. كان في ذلك الحي الذي كان يعرف باسم الترس. أنا لا أعرف مكان هذا الحي الآن، لكني أذكر أن المنزل الذي كنا نستأجره يخص شخصا يسمى عبد الله أبنعوف.

وفي (كشكول حدباي) يرصد الأستاذ محمد صالح يعقوب سيرة البحث الشديد عن القصيدة المغناة بين عتاولة شعراء ذلك الجيل وتطورهم في رصد الأحداث التي تبرز تفاصيل الحياة المحلية بلغة تتعدى المفردات إلى الحوارات الكاملة في مزج جيد بين العامية والفحصى لا تنغلق معانيها على من يريد ألفتها.

يربط الباحث الإذاعي مصعب الصاوي بين شعر خليل فرح ومصادر الثقافة المتعددة التي نهل منها. ويرجع قوة الجرس الموسيقي في أشعاره إلى تراث الموسيقى النوبية، خاصة قالب الطار النوبي الذي يبدو واضحا في أغنية (ياليل صباحك مالو).

ويلتقط العواد عوض أحمد الحديث عن الموسيقى في أشعار خليل فرح، بالإشارة إلى أن مقدمة (عازة في هواك) الموسيقية جاءت من غرب السودان من الأغنية الشهيرة (ود الشريف رأيو كمل).

يثير الحديث عن شعر خليل فرح وموسيقاه بين العام والخاص شهية الدكتور محمد جلال هاشم ليثير عصفا ذهنيا يحسب أننا في حاجة إليه عندما نتحدث عن خليل فرح.

ويرجع هاشم هذا التراوح بين العام والخاص إلى طبيعة شخصية خليل فرح والطريق الذي اختطه لنفسه في سياق الثّقافة الاجتماعيّة آنذاك.

ويرى أن صورة خليل فرح في الحياة العامة مثلا تختلف كل الاختلاف عن صورة حياته الخاصة، أي داخل أسرته. كما تختلف شخصيته في الحياة العامة عن شخصيته في الحياة الخاصة داخل أسرته. ففي الحياة العامة كان معروفا بالبشاشة واللطف والظرف ولين الجانب مع أصدقائه، فضلا عن اشتهاره بالأدب والفن وإن لم يغن للعامة.

أما في حياته الخاصة، والحديث لهاشم، فقد كان صموتا قليل الكلام مختصره، لا يجرؤ أهل بيته على رفع الكلفة وتجاذب الحديث معه. كانت زوجته سلامة شلالية تحكي أخريات أيامها لمن يتناول معها هذا الموضوع، خاصة من أفراد الأسرة، كيف أنها لم تعرف أن الخليل كان يغني إلا بعد موته. فقد كانت تظن أنه بخلاف ما أُثر عنه من غناء بالنوبية بصاي في أول شبابه قد ترك الغناء والمعازف. فهي لم تره يحمل عودا أو طنبورا، كما لم تسمعه يترنم بلحن لأي أغنية، نوبية كانت أم عربية.

هل تم جمع كل شعر خليل فرح؟ واقع الحال يفيد أن سادن الثقافة الأمدرمانية الراحل البروفسيور علي المك قام بتحقيق ديوان خليل فرح ونشره في سبعينيات القرن الماضي. وقدم الراحل المك لهذا بمقدمة ضافية تعتبر من أشمل ما كتب عن خليل فرح حتى الآن. وليس هناك ما يؤكد أن الديوان يضم كل قصائد الخليل، والدليل أن (كشكول حدباي) يفيد أن حدباي يحفظ مجموعات كبيرة من شعر صديقه خليل فرح ويقول حدباي (إن الشعر الذي أحفظه لخليل يملأ ثلاثين شريطا أو يزيد).

وهناك رواية ثالثة يقدمها الدكتور محمد جلال هاشم جاءت في الفصل الخامس من كتابه (جزيرة صاي .. قصة الحضارة: صراع الثقافات وقضايا التنمية والتهميش في بلاد النوبة).

يقول هاشم: في منتصف السبعينيات سألت أخاه الأصغر علي فرح كيف لم يستوثقوا منه عن ديوانه الشعري عندما كان يرقد بمستشفى النهر في أيامه الأخيرة. فضحك وقال لي بأن الخليل كان رجلا صعبا مرهوب الجانب، لم يكن أحد من أفراد أسرته يجرؤ على الدنو منه. ثم ذكر كيف أنهم جميعاً كانوا يجلسون بالطابق الأرضي بمستشفى النهر، بينما الخليل لوحده بغرفته بالطابق الأول. وبين فينة وأخرى كان واحد منهم يتسلل خفية للاطمئنان عليه، فإذا به واقف يذرع الغرفة جيئة وذهابا وهو ينظر ساهما من النافذة إلى الأفق البعيد عبر النهر. وقد استمر على هذه الحال حتى أعياه الوقوف والمشي في الليلة الأخيرة التي صعدت فيها روحه إلى بارئها.

ومهما يكن فالقصيدة عند خليل فرح تصدر بلحنها مثلما هو يشفق عليها أن تقع في أيدي العابثين. فكانت ألحانه فريدة. والعمل الغنائي يخرجه كاملا كلمات ولحنا وغناء، وهذا ما أسماه المبارك ابراهيم تهذيبا، كان في نظر علي المك ثورة.

وتستمر قدلة خليل فرح وينقلها الأستاذ الراحل أحمد طه (الجنرال) إلى خارج الحدود بتأكيد أن خليل فرح هو الرائد في هجرة الأغنية السودانية، ويستدل بأن أغنية (عازة) هاجرت بعد ثلاث سنوات من وفاته وصعدت عشرة آلاف متر في الهضبة الإثيوبية، ليغنيها الفنان الإثيوبي اسفا اباتي بلحنها السوداني وكلمات إثيوبية. ثم يقدم الجنرال طه ملاحظة عن الرمزية في شعر الخليل بسرد رواية فحواها أن خليل فرح رد بعضمة لسانه على صديق له (عازة هي الوطن يا فاو).

ولعل سيرة الخليل العطرة ذلك النوبي الذي حذق لغة العرب، تدفع  للنهوض بمهمة إعداد دراسة متكاملة عن خليل فرح حياته ونشأته وريادة شعره في الحياة السودانية.

على أن هذه الدراسة المرتجاة يستحسن أن تستصحب معها مولد الخليل، فقد اطلع الراحل علي المك على سجل خدمته الذي كشف أن الخليل ولد في قرية دبروسه منطقة حلفا سنة 1894.

غير أن السجل نفسه يحتوي على شهادة تاريخها 28 يوليو 1928 تشير أن مولد الخليل كان عام 1892 وقّع عليها كاشف حسن بدري كاتب ادارة ضبطية الخرطوم وشخص آخر لم نتبين اسمه وشغله صراف بالمالية ولعله من أهله.

ونص الشهادة (نشهد نحن الموقعين أدناه أن لنا المعرفة التامة بالشيخ فرح بدري والست زهرة الشيخ محمد والد ووالدة خليل فرح بدري مستخدم بمصلحة البوستة والتلغرافات السودانية المولود في وداي حلفا بتاريخ أغسطس 1892 وان والده الشيخ فرح بدري محسي الجنس مولود بجهة عبري مديرية حلفا وأن موطنة الشرعي حين زواجه بالست زهرة الشيخ محمد كان بجهة وادي حلفا بمديرية حلفا وموطنه حين ولد ابنه المذكور كان بجهة وادي حلفا وأن والدته الست زهرة الشيخ محمد محسية الجنس مولودة بجهة عبري مديرية وادى حلفا ونشهد أيضا أن خليل فرح تلقى علومه جميعها بالمدارس السودانية وتحررت هذا الشهادة لاعتمادها تحت مسئوليتنا).

ولا يخلو سجل خدمة خليل فرح من اضطراب في تاريخ ميلاده، إذ يحتوي على شهادة ثالثة تفيد أن خليل فرح لم يكن مسجلا بدفاتر مواليد حلفا 1891 إلى 1895م.

ورغم أن الراحل علي المك تساءل عن الغرض من تحرير شهادة مثل التي وقع عليها كاشف حسن بدري، إلا أن غرض هذه الشهادة فيما يبدو كان لتكملة إجراءات إنهاء خدمة خليل فرح بعد أن اشتد عليه المرض في العام 1928. ويدعم هذا الاستنتاج أن إجراءات إنهاء خدمة موظفي حكومة السودان، تشترط إصدار شهادة طبية بتقدير العمر لأي مستخدم يحدث تضارب أو شك في تاريخ ميلاده المدون في سجل خدمته.

وهناك نقطة مهمة فحواها أن عمل والد خليل في التجارة جعله كثير الأسفار في المنطقة بين حلفا ودنقلا. وكان خليل يرافق والده الذي توفي في 1915 في تجواله. فهل كان لهذه الرحلات في صبا الخليل الباكر، صلة بالاستخدام المبهر لعاملي المكان والزمان في شعره.

وهناك نقطة ثالثة ذات أهمية قصوى ترتبط بمولده ونشأته في صاي، وهنا يلفت البروفسيور علي عثمان محمد صالح أستاذ الآثار بجامعة الخرطوم انتباهنا إلى أن (صاي كانت جزيرة غنية بالزروع والخضرة، عرضها نحو ثلاث كيلو مترات. يتوسطها تل جبلي عال. وتحف أشجار النخيل الشاطئين الشرقي والغربي).

ويتابع (في أيام طفولة الخليل كانت تنتشر في صاي السواقي العثمانية التي تحمل 28 قادوسا. ويقع بيت أسرة خليل على مقربة من الشاطئ الشمالي للجزيرة. وتكثر في الجزيرة أكوام من التراب الرملي متباينة الأحجام).

ويتفق البروف علي مع مترجم كتاب (رحلات بوركهارت) أن هذه الأكوام مقابر لملوك البلاميس وأشرافهم، وكانوا يحكمون أكثر النوبة العليا والسفلى ما بين القرنين الثالث والسادس الميلاديين، وحضارتهم تالية للحضارات المروية وعليها من الآثار حصن قريب من نهر النيل، شيد بالحجر والآجر وأسواره عالية.

والحديث عن الخليل شيق وجذاب ولا ينقطع، والنقاط السابقة مجرد إشارات تقودنا إلى معرفة الخليل وإبداعه ومكانته في خريطة الثقافة السودانية.

رحم الله خليل فرح عميد الشعر السوداني والعميد عند العرب هو سيد القوم الذي يعمدون إليه عند الحاجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى