
د. إسماعيل ساتي
قبل سنوات، بينما كنت أتابع برنامجاً تلفزيونياً، ظهر على الشاشة رجل ريفي بسيط، يبدو عليه صدق المشقة من هيئته وهندامه ولهجته. سألته المذيعة عن ظروفه بعد أن نزح أهله بعيداً عن ديارهم بسبب الحرب. فأجاب بلهجة صادقة تبحث عن التعبير: “أسعى لـ شم النمل”!
ضحكت وقتها. ضحكت كما يضحك الكثيرون. ولكن ضحكتي لم تدم طويلاً، اذ نقلتني الذاكرة فوراً إلى سنوات الجامعة، وإلى رجل لم يكن مجرد حلاق، بل كان ظاهرة اجتماعية بحد ذاتها: الحلاق حمودة العركي.
كان حمودة، أو “حلاق الجامعة” كما اشتهر، رجلاً خفيف الظل، يحلق للطلاب والأساتذة على مدى عقود. وبسبب احتكاكه اليومي بهذا العالم المنعزل، عالم “الصفوة” و”المتعلمين”، بدا يلتقط مصطلحاتهم وألفاظهم، محاولا أن ينسج منها ثوبا يرتديه في محادثاته، ليثبت أنه جزء من هذه الدائرة. لكن الثوب كان فضفاضاً، واللفظ كان ينقلب عليه.
اشتهر عنه، سواء بالحقيقة أو بالمتخيل، مواقف أصبحت مادة للسمر والضحك. كان يصف الأستاذ الجامعي الأصلع بأنه “خالي ذهن”، ويسأل أستاذاً آخر جالساً بين طالباته: “المعاك ديل بنات أفكارك؟”، ويقول للطالب الذي سأله عن صحته بعد وعكة ألمت به: “أنا في الرمق الأخير”، وهو يقصد أنه على وشك الشفاء.
كنت، وأنا شاب وقتها، أستاء من هذا الضحك. كنت أرى في حمودة – رغم أني لم أقابله شخصياً – رجلاً يتوق إلى القبول، لا إلى السخرية. وكان الطلاب والأساتذة، بدلا من أن يكونوا جسراً له، حولوه إلى نكتة متحركة، إلى “ترفيه” لهم من عناء المحاضرات والامتحانات.
هنا تكمن القضية: لماذا نستاء؟
نستاء لأن السخرية من “شم النمل” و”الرمق الأخير” ليست سخرية من خطأ لغوي، بل هي سخرية من محاولة اليائس للتعبير. الريفي الذي لم يجد في تعليمه المتواضع ما يعبر به عن حنينه إلى أهله، وحمودة الذي لم يجد في بيئته الأولى ما يؤهله لاقتحام عالم المصطلحات الأكاديمي، كلاهما كانا يحاولان أن يصرخا: “أنتم تفهمون، وأنا أحاول أن أفهمكم مشاعري”. لكن الرد كان ضحكة عالية.
هذه الضحكة هي تجسيد حي لما نسميه “البرج العاجي”، إنه ذلك الحصن المنعزل الذي يبنيه المتعلم حول نفسه، فيجلس في برجه المرتفع ينظر إلى المجتمع من عل، كأنه يحمل مجهراً يكبر هفوات الناس وعيوبهم، بينما يعميه عن رؤية جذور تلك الهفوات وأسبابها. من داخل هذا البرج، تتحول اللغة من جسر للتواصل إلى أداة للتمييز والاستعلاء، فيحتقر من يخطئ اللفظ ولو كان صادق المشاعر، ويستهزأ بمن يتلعثم بالاصطلاحات ولو كان يحمل قلباً عامراً بالخير تجاه الغير.
لكن لماذا هذه “الأخطاء” مهمة؟ لأنها تذكرنا بأن اللغة كائن حي، لا يموت عندما نخطئه، بل يموت عندما نتوقف عن محاولة تطويعها للتعبير عن مشاعرنا. هناك عبقرية بدائية وحكمة فطرية في العامية واللهجات، وفي أخطاء الأطفال ومحدودي التعليم. أنهم غير مثقلين بقوالب اللغة الفصيحة، فيبتكرون لغتهم الخاصة. هذه الأخطاء هي شذرات من الشعر غير المقصود، مجازات حية تنبت من أرض الواقع، وليست نباتات زينة في حدائق الأدب. وكما قال أحدهم: “اللغة ليست وطنا نحميه، بل هي أرض نفتحها”.
في مواجهة هذه الظاهرة، يبرز دور المثقف الحقيقي الذي يجب أن يرفض أن يكون سجين ذلك البرج. ليس دوره أن يكون حارساً متشدداً للقواعد اللغوية ينقض على أخطاء العوام، بل ينبغي أن يكون جسراً يعبر عليه الناس من ظلام الجهل إلى نور المعرفة، بلطف وصبر. المثقف الحقيقي هو من يدرك أن وظيفة المعرفة الأولى هي الارتقاء بالمجتمع، لا تقسيمه إلى طبقات؛ متعلمون يستعلون وبسطاء يُحتقَرون. عليه أن ينزل إلى أرض الواقع، إلى حيث يعيش الناس بتحدياتهم وطموحاتهم، فيقابل محاولة “حمودة” لاستخدام المصطلحات بتشجيع خفي، ويقابل توق “الريفي” إلى لم الشمل بقلب متفهم، فيصحح الخطأ بلغة القلب قبل لغة القاموس. فالمعرفة التي لا تتحول إلى رحمة وتعاطف في التعامل مع الناس، تظل معرفة ناقصة، بل وقد تتحول إلى غرور مقنع يضر أكثر مما ينفع.
في النهاية، ليست المسألة مجرد دفاع عن أخطاء لغوية، بل هي دفاع عن الكرامة الإنسانية. “شم النمل” و”الرمق الاخير” ليسا مجرد أخطاء؛ هما ندبة في جبين مجتمع يسمح بتحويل قصور فرص التعليم إلى مادة للسخرية.
فلنذكر جميعاً: أن تكون متعلماً يعني أن تمد يدك لتخرج غير المتعلم من ظلمة جهله، لا أن تدفعه إليها أعمق بالضحك. لا تستهين بأي تعبير، مهما بدا غريباً أو خاطئاً. أدعو نفسي وإياكم إلى الاستماع إلى “روح” الكلام وليس فقط إلى “قشوره”. في المرة القادمة التي تسمع فيها تعبيراً غريباً، لا تسارع إلى تصحيحه، بل حاول أن “تشم” رائحة المعنى الحقيقي الذي يحمله في طياته. ربما تكتشف “نملة” من المشاعر تبحث عن مستعمرتها.



