الجبهة الشرقية المموّهة… كيف تُعيد مليشيا التمرّد تشكيل تهديدها عبر بوابة إثيوبيا نحو قلب النيل الأزرق

مهند عوض محمود
تتطور الجبهة الشرقية للحرب في السودان بوتيرة تستوجب قراءة استخبارية دقيقة، خاصة بعد رصد تحركات نوعية قرب الحدود السودانية–الإثيوبية، وتشير المعطيات المتداولة إلى أن النيل الأزرق دخل مرحلة جديدة من التهديد عبر نشاط مكثّف لمليشيا التمرّد داخل الأراضي الإثيوبية ؛ فالمناطق المتاخمة للحدود، خصوصًا في إقليم بني شنقول–قمز، تحوّلت خلال الشهور الماضية إلى بيئة تسمح بوجود معسكرات تدريب وتجميع وتموين، مستفيدة من طبيعة الإقليم الغابية والجبلية وبعده عن السيطرة المركزية، مما يتيح للمجموعات المسلّحة هامش حركة واسعًا.
ثمة معلومات تفيد بأن ثلاثة معسكرات مرتبطة بالمليشيا كانت تتمركز في مرحلة سابقة داخل إقليم هرر الإثيوبي؛ وهو إقليم يتمتع ببنية مدنية وأمنية أكثر انضباطًا، لكن طبيعة تضاريسه المفتوحة، وقربه من مراكز السلطة الإثيوبية، جعلته أقل ملاءمة لاستضافة نشاط من النوع الذي تحتاجه المليشيا. وتشير هذه المعلومات إلى أنه تم نقل هذه المعسكرات تدريجيًا نحو إقليم بني شنقول–قمز، لما يوفره الأخير من غطاء جغرافي واسع، وقرب مباشر من الحدود السودانية، وانعدام الرقابة المركزية الصارمة. كما تفيد المعلومات بأن العناصر التي خضعت لدورات التدريب داخل هذه المواقع حصلت مؤخرًا على زيّ عسكري موحد، في إشارة إلى اكتمال مراحل الإعداد وتجهيز الوحدات الميدانية للمهام العملياتية.
ويتميّز بني شنقول–قمز بأنه الإقليم الإثيوبي الأكثر حساسية بالنسبة للسودان؛ لوقوعه مقابل ولاية النيل الأزرق، واحتضانه سدّ النهضة، واتساع مناطقه الهامشية التي تتداخل فيها مجموعات مسلحة وإثنيات لها نشاط طويل في الحدود. هذه البيئة تتيح لمليشيا التمرّد إنشاء معسكرات صغيرة ومتوسطة الحجم، تضم مئات المقاتلين، وتعمل بنمط وحدات خفيفة إلى متوسطة، تعتمد على عربات دفع رباعي، دراجات نارية، سلاح فردي، راجمات قصيرة المدى، وفرق استطلاع محلية تعمل بجغرافيا تعرفها جيدًا.
وتشير القراءة الميدانية إلى أن هذه المعسكرات لا تُقاس خطورتها بحجم القوة فقط؛ بل بتموضعها على تخوم المراكز الإدارية الرئيسة للنيل الأزرق، وعلى مسافة عملياتية يمكن من خلالها تهديد الدمازين والروصيرص والكرمك وطرق الإمداد الحيوية. فهي تعمل بمزيج من القيادة الميدانية المرتبطة مباشرة بهيكل المليشيا في دارفور، ومن عناصر ارتباط محلية داخل بني شنقول–قمز تضمن الحركة والتمويه والإمداد، إضافة إلى خلايا لوجستية توفر الوقود والذخيرة والإعاشة وحركة الآليات.
ويتعمّق التهديد حين يُنظر إلى إمكانية التقاء هذا المحور بالإمداد القادم من جنوب السودان، عبر مناطق اللاونوير في أعالي النيل وجونقلي، وهي مناطق تمتلك تاريخًا طويلاً من النشاط العابر للحدود. الربط بين محور أعالي النيل – النيل الأزرق – سنار وبين محور بني شنقول–قمز – الحدود الإثيوبية يمنح المليشيا القدرة على المناورة بين جبهتين، وعلى فتح طرق التفاف تربك انتشار الجيش وتوزيع قواته.
عمليات المليشيا المحتملة في هذه الجبهة تتراوح بين الغارات السريعة، والكمائن على الطرق، ومحاولات ضرب خطوط الإمداد وعزل النيل الأزرق عن العمق السوداني، واستخدام نيران غير مباشرة مثل الهاونات والراجمات. غير أن التطور الأكثر خطورة يتمثل في إمكانية استخدام الطائرات المسيّرة لضرب أهداف محددة داخل الدمازين والروصيرص والكرمك أو على الطرق الرئيسية. فطبيعة المنطقة المفتوحة تمنح المسيّرات قدرة عالية على التخفي والاختراق، واستهداف المنشآت الحيوية أو محيط سدّ الروصيرص يمكن أن يخلّف أثرًا استراتيجيًا يفوق حجمه المادي.
هذا الوضع يفرض ضرورة نشر منظومات دفاع جوي قصيرة ومتوسطة المدى في ولاية النيل الأزرق، لحماية المراكز الإدارية والبنية التحتية الحيوية، ومنع وقوع أي اختراق بالطائرات المسيّرة. الدمازين والروصيرص ليستا مجرد مدينتين حدوديتين، بل مركزا تشغيل للسدود والطاقة والإدارة الإقليمية، واستهدافهما يضرب العمود الفقري للولاية.
أما إثيوبيا، فرغم إعلانها الرسمي بعدم دعم أي طرف في الصراع السوداني، إلا أن واقع السيطرة على الأطراف يختلف كثيرًا عن الخطاب السياسي. فإقليم بني شنقول–قمز يتمتع بقدر كبير من الهشاشة الأمنية، واحتضان نشاط عابر للحدود ليس جديدًا عليه. وجود هذه المعسكرات في نطاق قريب من الحدود السودانية يشكّل تهديدًا مباشرًا، سواء كان بعلم الحكومة الإثيوبية أو نتيجة فراغ أمني في الإقليم.
وتشير القراءة الاستخبارية إلى أن تثبيت هذه المعسكرات ونقلها من هرر إلى بني شنقول–قمز ليس تحركًا عابرًا، بل خطوة لإيجاد عمق خلفي مستدام، يمكن عبره فتح جبهة شرقية طويلة المدى. فإذا تمكنت المليشيا من تحويل هذا الوجود إلى قاعدة عمليات دائمة، فإن السودان سيواجه جبهة تضغط على السدود، والطاقة، والمراكز الإدارية، وتستنزف الجيش على نحو يطيل أمد الحرب.
هذا يحمّل الحكومة المدنية مسؤولية العمل بديناميكية موازية للحرب، وعدم ترك الجيش يخوض وحده معركة تمسّ الأمن المائي والطاقي للبلاد. المطلوب تكثيف العمل الدبلوماسي مع إثيوبيا لإيقاف النشاط المسلّح على الحدود، وتوفير الدعم المالي والسياسي والعسكري لنشر الدفاع الجوي، وتأمين المدن الرئيسة بخطط مشتركة. أما القوات المسلحة، فهي القوة الوحيدة القادرة على إغلاق هذه الجبهة وحرمان المليشيا من أي موطئ قدم، لكنها تحتاج إلى غطاء سياسي وإداري يوازي حجم الخطر.
الجبهة الشرقية اليوم ليست امتدادًا جانبيًا للحرب؛ بل بوابة تهديد جديدة تحاول المليشيا فتحها نحو قلب النيل الأزرق، وإذا لم تُغلق فورًا فإنها قد تتحول إلى ساحة الصراع الأكثر حساسية في المرحلة القادمة.




اعتقد أن المقصود هو إقليم امهرا المحاذى للفشقة و ليس “مدينة” هرر البعيدة فى أقصى شرق إثيوبيا.
لكن المهم تذكير الاثيوبيين أن و ضعهم أكثر هشاشة لوجود معارضة فى الإقليم يمكن أن ترتد عليهم كما ارتحت عليهم معارضة الامهرا “فانو” بعد كانت مصطفة معهم فى مقاتلة التقراى.
و يمكن تهديد منشآت سد النهضة نفسه كما تهدد منشآت سد الرصيرص.