تنزانيا دخلت مرحلة إعادة تشكّل صامتة .. صراع أجنحة داخل الحزب الحاكم وقوى شابة صاعدة، واحتمالات إقليمية مفتوحة

مهند عوض محمود
تعيش تنزانيا في الوقت الراهن لحظة سياسية معقدة يصعب تبسيطها في إطار أزمة انتخابية أو احتجاجات ظرفية؛ فالبلاد دخلت طوراً جديداً من إعادة التشكل العميق في هرم السلطة، وفي موازين القوى داخل الحزب الحاكم CCM، وفي علاقة الدولة بمحيطها الإقليمي والدولي.
تبدو الصورة لأول وهلة مستقرة تحت قبضة الحكومة؛ لكن القراءة العميقة تكشف واقعاً مختلفاً؛ واقع دولة تتحرك تحت السطح بتوتر هادئ، وتُعيد هندسة مراكز نفوذها، بينما تصعد قوى جديدة من خارج النظام التقليدي، وتتربص أطراف دولية بمسار التحولات لاقتناص نفوذ جديد في شرق أفريقيا.
بدأت الشرارة مع انتخابات أكتوبر 2025 التي أعطت الحزب الحاكم نصراً ساحقاً؛ لكنه كان نصراً مقلقاً لا يُظهر قوة النظام بقدر ما يكشف حجم هشاشته. القبضة الأمنية التي رافقت الاقتراع؛ والاعتقالات؛ وإغلاق الإنترنت؛ والتعامل المفرط مع الاحتجاجات؛ شكّلت بوابة الدخول إلى مرحلة سياسية تتجاوز “حماية النظام” إلى “إعادة تشكيله”. فالحزب الحاكم الذي كان يمثل لعقود صيغة توافقية للدولة، صار اليوم مسرحاً لصراع أجنحة يتبلور بصمت؛ لكل جناح حساباته الداخلية وتحالفاته الخارجية، ولكل منهما تصور مختلف لمستقبل الحكم.
في قلب CCM يتوزع المشهد بين جناحين رئيسيين؛ الأول هو تيار الإصلاح الهادئ الذي يدرك أن الشرعية السياسية باتت مهددة؛ وأن استمرار النهج الأمني سيُدخل البلاد في عزلة ويُضعف الحزب على المدى البعيد. هذا التيار تمثله شخصيات مثل جنوستين موكيما وهمفري بوليوا؛ وهما وجهان لصوت جديد داخل الحزب يدعو إلى إعادة ضبط العلاقة مع المعارضة، وتخفيف حدّة القبضة الأمنية، وفتح المجال العام بقدر محسوب يعيد للحزب توازنه قبل أن يفقد الأرض تحت أقدامه.
في مقابل ذلك، يبرز التيار الأوسع نفوذاً داخل الدولة، وهو محور الدولة العميقة الذي يميل إلى إحكام القبضة والحفاظ على السيطرة الكاملة بلا تردد. هذا المحور يقوده عملياً حسين مويني رئيس زنجبار، ومعه طبقات متعددة من أجهزة الاستخبارات TISS، ودوائر داخل الرئاسة، إضافة إلى ضباط متقاعدين يشكلون مجلساً غير معلن لتوجيه القرار الاستراتيجي. هذا التيار يرى أن الانفتاح السياسي ليس سوى بوابة للفوضى؛ وأن استقرار تنزانيا لن يُحفظ إلا بالقوة؛ وأن بقاء CCM في الحكم حتى 2030 وما بعدها يحتاج إلى تثبيت المكوّن الأمني في مركز السلطة.
وبين هذين التيارين تتحرك الرئيسة سامية حسن صلوحي بذكاء براغماتي؛ فهي تستند إلى مؤسسات الدولة العميقة لضبط الشارع؛ لكنها تدرك كذلك أن استمرار التوتر قد يفتح الباب لانقسام داخلي يهدد موقعها. لذلك تتنقل بين شدّ وجذب، محاولة صياغة “توازن الممكن” بين الأمني والسياسي، وإن كان ميلها حتى الآن أقرب إلى محور القبضة لضمان وحدة القيادة.
خارج الحزب، لا تقف المعارضة التقليدية وحدها أمام هذا المشهد؛ بل ظهرت مجموعات شبابية صاعدة باتت في نظر أجهزة الدولة أكثر خطورة من الأحزاب الكلاسيكية. فحركة “مساوة” (Msasawa)؛ وشبكة “جيل جديد” (NGN)؛ وتحالف “مواطنون من أجل التغيير” (CFR)؛ لم تعد مجرد تجمعات شبابية، بل منصات تعبئة قادرة على إشعال موجات احتجاج في أي لحظة. هذه المجموعات ليست أحزاباً، لكنها تحمل روح “الحركة السياسية البديلة”؛ وتستند إلى تمويل محدود من منظمات مجتمع مدني وبعض الدوائر الغربية المهتمة بضخّ حياة جديدة في المجال الديمقراطي التنزاني. وإذا استقرت البلاد نسبياً خلال 2026، فإن تحالف CFR مرشح لأن يتحول إلى حزب سياسي، ليشكل أول تحدٍ بنيوي حقيقي لحزب CCM منذ تأسيسه.
أما الجيش، وهو حجر أساس في استقرار البلاد، فوضعيته تحتاج قراءة دقيقة. الجيش التنزاني يتمتع بعقيدة صارمة تُعرف باسم عقيدة الحياد العسكري؛ وعليه فهو لا يتدخل سياسياً، ولا يرى في الانقلابات وسيلة للحل، بل يعتبر أي تدخل عسكري في الحكم تهديداً لوحدة الدولة. وهذا التوجه يجعل الجيش سنداً للدستور وليس للحكومة بالضرورة؛ لكنه في الوقت ذاته يقترب عملياً من دوائر الدولة العميقة حفاظاً على الاستقرار. ومع ذلك، فإن استمرار التوتر أو حدوث انقسام داخل CCM قد يدفع الجيش إلى التدخل كـ“ضامن مؤقت” وليس كحاكم، كما تفعل بعض الجيوش في أفريقيا عندما يصبح النظام عاجزاً عن السيطرة وليس مهدداً بالسقوط.
أما على صعيد التحالفات الخارجية، فحزب CCM يستند إلى دعم مباشر من الصين التي ترى في استقرار الحكم ضماناً لمشروعاتها العملاقة في الموانئ والغاز والبنى التحتية؛ كما تميل الهند إلى دعم استقرار الحزب حفاظاً على توازن استثماري وتجاري ممتد منذ عقود؛ بينما تقدم رواندا وأوغندا دعماً أمنياً محدوداً للحكومة ضمن منظومة التعاون الإقليمي. وفي المقابل، تتلقى قوى المعارضة – وخاصة المجموعات الشبابية – تعاطفاً دولياً متصاعداً من جهات غربية تعتبر أن منع تحول تنزانيا إلى نموذج سلطوية انتخابية مغلقة أمر ضروري لحماية شرق أفريقيا من موجات الاستبداد المتصل.
المرحلة المقبلة تحمل ثلاثة مسارات محتملة:
الأول، نجاح محور الدولة العميقة في فرض تهدئة قسرية تضمن هدوءاً هشاً حتى الانتخابات المقبلة، مع تعزيز قبضة الأمن وتراجع المجال العام.
الثاني، صعود تيار الإصلاح الهادئ داخل CCM، بما قد يفرض إعادة تشكيل للحكم من الداخل، إما بتعديل مراكز النفوذ أو بتغيير الواجهة القيادية نفسها في 2027.
الثالث، توسع الحراك الشبابي إلى مستوى يفرض على الحكومة تنازلات سياسية، أو يخلق أزمة تتطلب تدخلاً “ضامناً” من الجيش، دون انقلاب.
في كل الأحوال، يبدو أن تنزانيا تخرج ببطء من مرحلة “اليقين السياسي” إلى مرحلة “السيولة الاستراتيجية”، حيث لم يعد شيء ثابتاً: الحزب لم يعد كتلة واحدة، الدولة لم تعد محايدة أمنياً، المعارضة لم تعد نمطية، والجيش لم يعد بعيداً تماماً عن حسابات المستقبل. إنها جمهورية تدخل لإعادة التشكل، وقد يكون ما نراه اليوم مجرد بدايات موجة أكبر ستعيد رسم ملامح شرق أفريقيا كله.



