رأي

المواصفات .. التعقيدات في ثوب التحول الرقمي

 

حبيب الله عبد الوهاب

أطلقت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بروتكولا جديدا بالرقم (11) لسنة 2025 خصت به شركات التفتيش الدولي المعتمدين لديها والذي سيبدأ العمل به اعتبارا من مطلع العام الجديد، وقد جاء فيه ما يلي:
الفقرة رقم (4) “على شركات التفتيش تقديم شهادات الفحص والتحليل للهيئة للمراجعة والتأكد من اكتمال إجراءات المطابقة قبل شحن الرسالة كما يجب على شركات التفتيش الدولي إخطار المورد بعدم شحن السلع قبل استلام شهادة المطابقة النهائية من الهيئة”.. وهو ما اصطلح عليه بــ (PSI) Pre Shipment Inspection

كما جاء في فقرته رقم (6) ما نصه:
” تقوم شركات التفتيش الدولي بالإشراف على إجراءات شحن السلع بعد صدور شهادة المطابقة مع إرفاق تقرير التفتيش والذي يجب أن يحتوي على الحالة العامة للرسالة، ومعلومات الديباجة، وأرقام التشغيلة (Batch No) مع إرفاق بقية المستندات الأخرى.”.

وقبل أن ندخل على تحليل محددات هذا البروتكول الجديد يجب أن نضع بين يدي القارئ الكريم بعض القواعد والمفاهيم الأساسية لعملية فحص البضائع (في حالة الاستيراد) والتي تقوم بها شركات التفتيش الدولي المعتمدة لدى الهيئة في بلد المنشأ ومن هذه المفاهيم.

– في حالة استيراد القمح ، الدقيق، السكر، الاسفلت , الاسمنت و الأسمدة على سبيل المثال تجري عملية الفحص و التحليل على العينة التي يتم سحبها من الشحنة ككل أو سحبها من الحزم المختلفة إذا كانت الرسالة مجزأة أصلاً من حيث الزمان و المكان و يتم ذلك بأسلوب علمي متعارف عليه وفق طريقة فحص الشحنة Shipment Inspection ومن ثم يتم اعتماد النتائج من قبل الهيئة إذا جاءت هذه النتائج ممثلة للحدود المقبولة للمواصفة أو الجودة أو ما يعرف بــ AQL Acceptable Quality Limits و هي طريقة شائعة ومقبولة، كما أنها مناسبة من حيث الوقت و التكاليف، و قد درجت على اتباعها كل شركات التفتيش الدولي لسنوات خلت وما زالت تتبعها ، ولا يتطلب الأمر وفق هذه الطريقة فحص البضاعة قطعة بقطعة كما هو الحال عند اتباع طريقة Piece by Piece Inspection (طريقة مكلفة و تأخذ وقتا أطول و يتم اتباعها في حالة البضائع ذات المخاطر العالية) لكنه من المهم أن ندرك أن المواصفات ووفقاً للطريقة الأولى تشترط إجراء بعض التحاليل التي عادة ما تستغرق فترة 10 أيام من تاريخ سحب العينة خاصة في حالة السلع الغذائية يضاف إليها فترة إجراءات المطابقة نفسها لدى لجنة المطابقة الفنية بالهيئة والتي تستغرق في بعض الأحيان أسبوع أو 10 أيام إذا تخللتها عطلة نهاية الأسبوع مما يعني أن البضاعة ستكون في حيازة البائع (المصدر) مدة 20 يوما على الأقل قبل أن تتم عملية شحنها، كما نص البروتكول، لأن الشحن يتوقف على شرط صدور شهادة المطابقة النهائية.

في ذات الوقت يجب أن ندرك حقيقة في غاية الأهمية وهي أن صلاحية شهادات التحليل والفحص التي تصدرها شركات التفتيش ترتبط بزمان ومكان صدورها فلا تكون هذه الشركات مسؤولة عن أي تعديلات أو تغييرات قد تحدث للبضاعة بقصد أو بغيره أثناء فترة الانتظار في ظل عدم وجود أي ضمانات تمنع حدوث تغيير عليها.

وبناءً على ما قدمنا من شرح مبسط نستطيع أن نخلص إلى نتيجة مهمة وهي أن هذا البروتكول يحوي في ثناياه مخاطر وإشكالات عملية عديدة منها: –

من الممكن أن تقع كارثة كبيرة إذا إدركنا أنه من المحتمل شحن بضاعة غير تلك التي تم فحصها وتحليلها وهو أمر وارد الحدوث بنسبة ما و سيترتب على ذلك انتهاك صريح لمبدأ ضمان جودة وسلامة السلع و حماية المستهلك، هذا التجاوز الخطير وارد خاصة أنه ليست هنالك أي ضمانات تمنع حدوثه إلا النوايا الحسنة للشاحن أو المصدر وهو أمر لا يمكن بالطبع الاعتماد عليه في تنفيذ عمليات الاستيراد خاصة إذا كانت ذات قيمة عالية، هذا ويزداد عنصر المخاطرة كلما بقيت الشحنة في حيازة البائع (المصدر/ الشاحن) لفترة أطول غير أن المخاطرة هنا لا تقتصر على انتهاك قواعد الجودة وحدودها فحسب بل تمتد إلى خسارة و ضياع رأسمال الصفقة.

بالإضافة إلى هذا كله لا بد أن ندرك أن المستورد سيتحمل تكاليف تخزين و تأمين البضاعة في بلد المنشأ خلال فترة الانتظار وهي تكاليف لا مفر منها باعتبار أن البضاعة المعدة للشحن هي بضاعة قد تم التعاقد عليها فعلا وأصبحت حكماً في ملكية المستورد رغم أنها ليست في حيازته وأن تأخير الشحن يأتي بناءً على طلب المستورد نفسه تماشيا مع ترتيبات البروتكول الجديد.

ومن التعقيدات التي سيخلفها هذا البروتكول الجديد هو أن الهيئة لم تشترط مدى زمنيا لما قبل الشحن وتركت الباب مفتوحاً للمستورد الذي إذا تكيف مع تكاليف التخزين والتأمين فإنه قد ينتظر فترة أطول لأي ترتيبات يراها مناسبة، إذ من الممكن أن يتجاوز فترة الــ 20 يوماً إلى مدة إضافية، وهنا سيكون الباب مفتوحا على احتمال حدوث اختلال في معايير الجودة وسلامة السلعة دون أن يدرك المستورد نفسه هذه المخاطر.

ليس مستبعداً حدوث اضطراب و خلل على صعيد زمن الامدادات (الواردات) ، فالبرتوكول الجديد من الناحية العملية يفرض تأجيلا مدته 35 يوما يبدأ حسابها بالضرورة بعد توقيع عقد الصفقة بين طرفيها، وهي (10 أيام لإكمال إجراءات الفحص + 10 أيام لإجراءات نيل المطابقة النهائية + 15 يوم هي فترة ترتيبات الشحن)، ولأن المستورد سيكون مضطراً لانتظار إخطار شركة التفتيش له بصدور شهادة المطابقة النهائية قبل أن يشرع هو أو (المصدر/ الشاحن) طبقا لشرط التسليم إن كان FOB أو CFR في ترتيبات الشحن النهائية أو هكذا كما نصت عليه الفقرة رقم (4) فإن فترة ترتيبات الشحن تصبح فترة حتمية، إذ أنه في الغالب ليست هنالك باخرة أو حاوية تكون في وضعية الاستعداد الدائم، مما يعني بداهة أن عرض السلع المستوردة في السوق المحلي سواء كانت جاهزة للاستهلاك أو مواد خام سيتأثر سلبا بهذا التأجيل بالتالي سترتفع الأسعار و سيتحمل تبعات ذلك كله في نهاية الامر المواطن/ المستهلك المغلوب على أمره.

من جهة أخرى، و على الرغم من أن الهيئة قد طلبت من شركات التفتيش الدولي في الفقرة رقم (6) مراقبة عملية الشحن بغرض التأكد من مطابقة أرقام التشغيلة Batch No التي وضعتها على الشحنة في مرحلة الفحص و من ثم إصدار تقرير مفصل مع إرفاق مستندات الشحن المعروفة، إلا أن هذا الإجراء لا يحمل أي أهمية لجهة أنه يأتي بعد صدور شهادة المطابقة النهائية Final Conformity Certificate CoC و ليس هذا وحده بل إن عملية مراقبة الشحن نفسها تتم في إطار الملاحظة العامة، هذا بالإضافة إلى أعباء مالية جديدة (مصروفات المراقبة) يسددها المستورد ويتحملها المستهلك في نهاية المطاف.

و لعل السؤال الذي يلح علينا بالإجابة عليه هنا هو، كيف كانت تسير الأمور لدى الهيئة قبل إعلان البرتوكول الجديد، وما هو البرتوكول الذي كانت تتبعه شركات التفيش الدولي نفسها و ما هي عيوبه ؟ و للإجابة على هذا السؤال و من واقع معايشتنا لما يجري نستطيع أن نقول بأن البروتكول السابق يقوم على إجراء عمليات الفحص والتحليل أثناء عملية الشحن At Time of Loading أما عملية الفحص نفسها فتتم بطريقة فحص الشحنة Shipment Inspection أي نفس طريقة البروتكول الجديد، لكن الفرق الجوهري بين الطريقتين هو أن البروتكول السابق يربط بين نتائج الفحص و بوليصة الشحن التي تحوي كل تفاصيل الرسالة المشحونة و أن عمليتي الفحص و الشحن تتم بالتزامن ، مما يؤكد أن البضاعة التي تم شحنها هي ذات البضاعة التي تم فحصها، بالتالي نستطيع أن نخلص إلى أنه في حالة البروتكول السابق كانت تتحقق درجة عالية من مستويات الاطمئنان على مواصفات السلعة المشحونة إلا أنه مما يؤخذ على البروتكول السابق هو أن بعض نتائج التحليل تصدر أثناء فترة الإبحار و هذا ربما يعزز احتمال عدم مطابقة هذه النتائج للمواصفة المعتمدة وهو أمر وارد، بيد أن معدل الانحراف عن الحدود المقبولة للمواصفة AQL يعتبر على درجة واحدة في الطريقتين معا و ذلك لأن طريقة الفحص في كلا البروتكولين هي نفسها أي فحص الشحنة Shipment Inspection .

نخلص إلى القول بأن نظام الفحص المسبق PSI Pre Shipment Inspection هو بروتكول قديم تتبعه عدد من الدول حول العالم مثله مثل البروتكول السابق At Time of Loading إلا أنه لا يخلو من عيوب، وثغرات كبيرة، خاصة عندما تكون الشحنة مواد غذائية، وفي حالتنا بالتحديد نستطيع أن نؤكد أنه ليس للبروتكول الجديد فضل على البروتكول السابق إلا بمقدار ما يضيفه الجديد من تعقيدات وعقبات تتمثل في تأجيل غير مبرر لفترة الإمداد وتكاليف جديدة تتصل مباشرة بالتخزين، التأمين ومصروفات التفتيش الإضافية التي ستصبح جميعها جزء من تكاليف السلعة نفسها ، فواقع الحال و الظروف المحيطة بالبلد تدفعنا إلى الابتعاد قدر الإمكان عن التعقيدات و إلا سينطبق علينا المثل الشعبي “جات تكحلها عمتها”.

** خبير تجارة دولية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى