رأي

الإعلام من مشاهير المجتمع إلى مجتمعات النجوم؟

خالد البلولة

اعتاد الإعلام، لعقود طويلة،أن يبحث عن النجوم والمشاهير داخل المجتمع،فيسلّط الضوء على الأفراد ذوي الحضور الطاغي في مجالات الغناء والموسيقى والرياضة والفنون والدراما والمسرح،باعتبارهم واجهة النجاح والإلهام.
أعتقد ذلك كان مفهومًا في زمنٍ كانت فيه النجومية الفردية هي الطريق الأقصر لجذب الانتباه وصناعة التأثير.لكنّ واقعنا اليوم،خاصة في المجتمعات المحلية التي أنهكتها الحروب والأزمات الاقتصادية وشبكات التواصل الإجتماعي،يطرح سؤالًا مختلفًا:
*هل ما نحتاج صناعة نجوم جدد أم مجتمع يصنع و يتقاسم قيم ومفاهيم النجومية؟*
مجتمعات محلية عادية ظاهريًا، لكنها غنية بالقيم والمبادرات والتكافل والعمل الصامت.النجم هنا ليس، المغني او اللاعب المشهور،بل هو القرية الحي، المجموعة،الثقافة المحلية.
هناك في القرى والحلال والأحياء الطرفية شخصيات تبدو عادية لكنها في جوهرها أعمدة يستند عليها بناء المجتمع أناس لا تصنعهم الأضواء،بل تصنعهم الأفعال قبل الاقوال.
في إحدى القرى،تبرّع رجل بسيارته الوحيدة لإعادة بناء مدرسة تهدمت مفضّلًا أن يمشي على قدميه على أن يعيش الأطفال بلا تعليم.وفي قرى الجزيرة تكفّلت عدد من الأسر بإعاشة عدد من الطلاب يتقاسمون معهم الطعام والمأوى في مدينة امدرمان فتح طبيب عيادته مجانًا لذوي الدخل المحدود، معتبرًا أن مهنته رسالة قبل أن تكون مصدر دخل.
هذه ليست قصص أفراد فقط،بل ملامح مجتمعات النجوم الذي تتكامل فيه المبادرات الفردية وتتحول فيه القيم إلى سلوك يومي ويصبح فيه الخير ممارسة جماعية لا بطولة استثنائية.
هنا، لا يكون الشخص المستضاف إعلاميًا هو الغاية،بل بوابة للدخول إلى الشارع والمدرسة،والمزرعة والبيوت، والناس ولهجتهم،وتفاصيل حياتهم،التركيز يكون على المنطقة من خلال الشخص، لا على الشخص بمعزل عن بيئته.
نحن بحاجة إلى إعلام بصري جديد:لا يصنع نجوماً من ورق ،بل يفتح عيون الناس وعقولهم على تجارب حياتية قد تبدو عادية، لكنها في حقيقتها نماذج ملهمة وجديرة بالاقتداء والاهتداء
أديبنا الكبير الطيب صالح لم يصل إلى العالمية عبر شخصيات خارقة،بل عبر أناس عاديين من قريته،حملوا قيم المجتمع السوداني في أنقى صورها. وبفضل مهارته السرد والوصف صعد بهؤلاء (العاديين)إلى سطح الأدب العالمي ليُري العالم أنفسنا كما نحن، لا كما نُحب أن نتزيّن.
وحين نقرأ خبرًا عن مواطن سوداني بسيط من قرية في شرق الجزيرة،ظلّ يتبرع بحليب أبقاره دعمًا لجنود القوات المسلحة فنحن أمام قصة مجتمع كامل، لا مجرد فعل فردي. قصة قيم، وتضامن، وشعور عميق بالمسؤولية الوطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى