الذاكرة السودانية: زيارة الفريق أول مفضل لمنزل آمال عباس .. باقة ورد من المخابرات إلى الصحافيين


محمد الشيخ حسين
يحكي مشهد فيديو قصير جداً في قالب بسيط ذي بنية إنسانية، زيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل المدير العام لجهاز المخابرات العامة إلى منزل الصحافية المخضرمة الأستاذة آمال عباس العجب.
(2)
وأصل الحكاية أن الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، زار عدداً من رموز الفن والإعلام في منازلهم بالخرطوم وأم درمان.
وشملت هذه الزيارات الفنانين أبوعركي البخيت وعبد القادر سالم – رحمه الله – والصحافية آمال عباس العجب، والممثلة فائزة عمسيب.
وجاءت هذه الجولة للاطمئنان على سلامة هؤلاء الرموز الذين رفضوا مغادرة ديارهم رغم الأوضاع الصعبة والحرب الضروس التي شهدتها العاصمة. وثمَّن الفريق أول مفضل صمودهم واعتبره نموذجاً للانتماء الوطني الحقيقي.
وأرست هذه الزيارات مفهوما متطوراً لعلاقة الأمن بأهل الفن والابداع خاصة حين أكد مدير المخابرات على أن دورهم في الفنون والإعلام يمثل (سلاحاً ناعماً) حيوياً لتوحيد الصف الوطني وتعزيز الروح المعنوية للمجتمع، خاصة خلال الأزمات.
ورسخت مصادر رسمية هذا المفهوم بتأكيد أن هذه الزيارات تتجاوز التقدير الشخصي، لتشكل تأكيداً سيادياً على أهمية الجهد المدني الصامد، واعتبار الفن والكلمة جزءاً من خط الدفاع الوطني، مسلطة الضوء على الروح الوطنية والصمود المدني في مواجهة التحديات.
(3)
عند العودة إلى فيديو زيارة منزل الأستاذة آمال عباس نكتشف أن هذه الزيارة قد بددت الصورة النمطية التي تحكي عن علاقة الأمن بالصحافة.
يقال إن الصحافة تزعج أجهزة الأمن لأنهما ضدّان بعض الشىء في عملهما.. وأهدافهما.. فالأولى تبحث عن المعلومات لنشرها وذيوعها على الملأ إيماناً منها بحق المواطن في المعرفة.. هكذا يفترض.. وأجهزة الأمن تبحث عن المعلومات لتحقيق العدالة ولحماية وتأمين المجتمع.. هكذا يفترض أيضاً.. إذن هذا يبحث لتحقيق المعرفة، وذاك يبحث لصيانة وحماية المجتمع.. الأول يُعلن أولاً بأول.. والثاني يرفض العلانية ويعمل بسرية لأنها تحقق أهدافه.. فلسفة الصحافة هي للوصول إلى حق المواطن في المعرفة.. بينما السرية والكتمان هي فلسفة أجهزة الأمن التي تريد الوصول إلى تحقيق العدالة وتأمين المجتمع.. إذن يعتقد أنهما ضدان على طول الخط إلاّ إذا استخدم الثاني الأول لتحقيق أهدافه السامية.. وهذا جائز طبعاً وواجب.. لكن إذا لم يحدث ذلك. تقع الإشكالية.
(4)
حسب المشهد في الفيديو دلف الفريق أول مفضل إلى الصالة في منزل الأستاذة آمال عباس بأناقة ظاهرة. وزادها اللون المميز لزي الأمن رونقاً و أكملت فرحة استقبال الأستاذة آمال عباس لضيوفها من روعة المشهد. كانت الزيارة حدثا مهما في حياة آمال التي أصرت بعد 15 أبريل 2023 على الصمود والبقاء في المنزل مهما كانت النتائج.
تصوروا سادتي الأجلاء أن آمال عباس ظلت في منزلها في ظروف غير مواتية وأحوال صحية قاسية. ومع ذلك تكالبت الأحزان عليها بوفاة شقيقها الأصغر الراحل الفاتح عباس أثناء الحرب. وقد ظل الفاتح يرافقها منذ أبريل 1985.
والراحل الفاتح عباس كان مديرا لمكتب وزير العدل وشغله آنذاك سوداني فذ هو الرشيد الطاهر بكر.
وتفاقمت الأحزان على آمال إذ فقدت شقيقتها الصغرى عايدة التي جاءت من منزلها في الثورة لتقيم معها في منزلها في الواحة ولكنها توفت بعد فترة من وفاة شقيقها الفاتح.
وعودة لمشهد الزيارة فقد كانت فرحة آمال عباس بتقدير الدولة لها بزيارة أحد كبار المسؤولين وتحيتها على صمودها. وبعدها أحست أن سودانا جديدا بدأ يلوح أفقه. وثمة غرابة في هذه الزيارة بالنسبة لآمال ذلك أنها تعودت على زيارات رجال الأمن منذ زمن بعيد من أجل (حاجات تانية) ليس بينها التحية والتقدير. وزاد من فرحها الفريق أول مفضل حين حدثها عن ندوة لها في مدرسة نيالا الثانوية التي كان طالباً فيها في سبعينيات القرن الماضي.
وتصف وسائل إعلام سودانية الفريق مفضل بــ(صارم جداً في عمله ومصادم وناصر للحق منذ الجامعة).
وبمناسبة الجامعة فقد تخرج الفريق أول مفضل في كلية التجارة بجامعة الزقازيق في العام 1985. وهنا ينبغي القول أن الزقازيق عاصمة المحافظة الشرقية في مصر في تلك الأيام (رياضاً عذبة النفس وريقة). تعلَّم مـَن سكن فيها فنون التعامل السمح المتكافي. وهنا يصبح الوصف الأقرب لأحمد ابراهيم مفضل قول الشاعر (هينا تستخفه بسمة الطفل قويا يصارع الأجيالا). ولا أقول (حاسر الرأس عند كل جمال مستشف من كل شيء جمالا).
وحسب المعلومات الموثفة فإن الفريق أول مفضل أحد الضباط الاكفاء المميزين الذين انضموا لجهاز المخابرات، وتولى مسؤولية إداراتي المخابرات الخارجية، والأمن الاقتصادي.
(5)
تتجلى سيرة الأستاذة آمال عباس في كل أعمالها ليس ببعدها الظاهر، وإنما بمستوياتها الكيانية المتعددة. وليس هناك مبالغة إذا قلنا إن آمال عباس من المبدعين السودانيين القلائل الذين لم يعيشوا هذا التناقض الصعب بين ما هم يعيشونه وما يكتبونه، وهكذا تتكامل سيرتها نسيجا متداخلا بحسب قدرة المتلقي على الغزل من خيوطها..
آمال عباس من الذين انحازوا لشعارات ثورة مايو (1969 – 1985)، ومع زخم ثورة مايو وتداعياتها في خريطة الحياة السودانية، ازدهرت كتابات آمال، ولم يقتصر دورها على مجرد الإفادة من الطقس السياسي الملائم، في طريق ترقية الحياة ورسم المستقبل، بل ساهمت بإيجابية في طرق أبواب جديدة في الصحافة والسياسة، فتراها تهتم بالشعر الشعبي وتتحدث عن طبقات ود ضيف الله بحسبانها تدوينا جيدا للتاريخ الاجتماعي في البلاد.
الشاهد أن كتابات آمال عباس الراقية لفتت الأنظار بقوة خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي حتى العقد الثاني من الالفية الثانية.
الأستاذة أمال عباس الآن بلا منازع هي سيدة الصحافة السودانية، تراها مخلصة للقضية، ولذا تسعدها كثيرا هذه الزيارة.
(6)
إذا أحسست بأي إعجاب في هذه السطور، فهذا الإعجاب نوضحه ولا نخفيه. لكن ترى هل تكمل هذه الإفادات اللمحات المضيئة من زيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل المدير العام لجهاز المخابران العامة منزل أمال عباس العجب؟.
لسنا في مقام الإجابة لكن ينبغي القول إنها باقة ورد من جهاز المخابرات يتنسم عبيرها الصحافيون كافة.
أما المهمة العاجلة فهي دعم قواتنا المسلحة في معركتها الحاسمة لتطهير البلاد والعباد من دنس المتمردين والمرتزقة والعملاء ومن لف لفهم.



