رأي

الجيش السوداني .. وإستراتيجية تفكيك الجيوش العربية

دكتورة كوثر أحمد السجان

أتت خطة الإدارة الأمريكية البديلة، بشأن السودان، على لسان خارجيتها بوقف الأعمال العدائية فوراً، والدخول في هدنة إنسانية عاجلة، ووقفاً فورياُ لاطلاق النار ، والاسراع في بدء عملية سياسية لبناء حكومة مدنية مستقلة بعيدة عن السيطرة العسكرية.

وبالتالي فإن ما جاء على لسان الادارة الأمريكية لا يطرح جديداً منفصلاً عن الرباعية بل أتى مشدداً على أهدافها.

وكانت مبادرة الٱلية الرباعية بجانب ما احتوته من بنود متعلقة بالشق الإنساني والسياسي ، كان إشكالها الحقيقي ماحوته من بنود بشأن المؤسسة العسكرية (إبعاد الجيش عن العمل السياسي وإنهاء أي دور له في إدارة المرحلة الانتقالية، وإعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري تحت إشراف مدني دولي، ووضع الجيش ومليشيا الدعم السريع في مستوى تفاوضي واحد، أي التعامل مع الطرفين كقوتين متحاربتين ، لا كدولة ومليشيا متمردة).
وفي ذات السياق وبمختلف المسميات تدور المساعي الأمريكية عبر مبعوثها للشؤون الأفريقية.

يمكن أن نقول إن ملخص الخطاب والمساعي الدولية بجانب الشق الإنساني ، تركز بشكل أساسي على عودة الجيش للثكنات دون الاهتمام أو التركيز على من سيملأ الفراغ؟ …..هنا بيت القصيد…
《لماذا التركيز على إخراج الجيش فجاءة من المشهد السياسي في السودان؟ وفي ظل هذه الظروف ؟》
المشكلة ليست في دور الجيش بل الإشكال الحقيقي في غياب البديل الدولي . ففي الدول المستقرة خروج الجيش من السياسة يعادله إنتقال الى مؤسسات مدنية قوية.
السودان اليوم لاتوجد فيه دولة مكتملة، ولا أحزاب سياسية وطنية متماسكة ، ولا أحزاب قادرة على الحكم ، بل جزء منها يستقوي بالضغط الدولي بدلا عن القبول الشعبي، ولايوجد جهاز إداري محايد ، ولاعقد إجتماعي جامع .
ما يؤكد أن الإصرار على الخروج الكامل والمفاجيء للجيش في هذه اللحظة لا يعني إنتقالاً ديمقراطياً، بل تفريغاً للسلطة، والدخول في الفوضى وإنهيار الدولة.
وهذا ليس إفتراضاً نظرياً بل رأيناه في ليبيا والصومال واليمن وغيرها.

كل هذا يعيد سؤالاً قديماً إلى الواجهة:
لماذا تستهدف و تفكك الجيوش العربية أو تستنزف بشكل ممنهج ؟
ذات السيناريو تكرر في دول المنطقة مثل العراق ، سوريا، اليمن، ليبيا، وهاهو اليوم يتكرر في السودان .
رغم اختلاف الظروف من بلد لآخر، إلا أن المشهد العام يكشف عن نمط واحد في تفاعل القوى الغربية خاصة الولايات المتحدة الامريكية مع الشرق الاوسط والمنطقة العربية في كل تدخل او صراع ، حيث يكون الجيش هو الهدف الاول .
فالجيوش الوطنية في المنطقة تُستهدف بشكل مباشر وغير مباشر في إطار ترتيبات لايمكن قراءتها بمعزل عن التحولات والتغيرات الكبرى التي تحدث في النظام الدولي ، وتنامي صراع النفوذ في الشرق الاوسط والقرن الأفريقي، وبالتالي موقع السودان من هذا التنافس.

ظلت الجيوش دائماً في المنطقة العربية والأفريقية صمام أمان الدولة، ومرتكز السيادة القادر على فرض وحدة الإقليم وحمايته، ومنح الدولة وزناً في إقليمها ومحيطها. وبالتالي فإن أي قوة تريد التأثير على بلد عربي ، أو إعادة تشكيله أو إعادة هندسة السلطة داخله، تدرك أن جيشها هو العقبة الاولى.
ولهذا كان الجيش العراقي أول ما تم استهدافه بعد الغزو، والجيش الليبي انهار مع تدخل الناتو، والجيش السوري استنزفته حرب طويلة، والجيش اليمني تم استبدال وظيفته بقوى موازية.
لذلك فإن تفكيك الجيوش خلال العقدين الماضيين لم يكن نتيجة صدفة أو خطأ سياسي ، بل كان جزءاً من منهج إستراتيجي غربي تمحور في الآتي :
– مبدأ الواقعية السياسية الذي تعمل به الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يقوم على تحجيم ومنع أي قوة صاعدة قد تهدد مصالحها أو مصالح حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل. وبالتالي فإن وجود جيش عربي قوي ، يعني دولة قادرة على اتخاذ قرار مستقل خارج بنية النظام الإقليمي الذي تريده واشنطن .
– ضمان التفوق الاسرائيلي، بحيث يكون الجيش الاسرائيلي هو القوة الأكثر تنظيما، وبالتالي الحرص على عدم وجود جيوش عربية قادرة على تشكيل تهديد طويل المدى أو منع هذا التفوق.
– صناعة دول ضعيفة في المنطقة قابلة للضبط والاستجابة؛ فمن خلال إضعاف الجيش يضعف القرار السياسي للدولة، وبالتالي تعاني من الهشاشة السياسية والأمنية ما يجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والضغوط (خاصة ملفات البحر الأحمر ، التطبيع، الطاقة، التحالفات وغيرها من الملفات الاستراتيجية) ، وبذلك تكون الدولة أقل قدرة على مقاومة السياسات الغربية.
– تفكيك بنى الدولة المركزية لصالح قوى اللا دولة(المليشيات أو القوات المحلية البديلة أو سلطات محلية) كمحركات فوضى ومراكز نفوذ جديدة ، تستخدم كوسائل وقوة موازية لإعادة تشكيل السلطة بما يمنع عودة الجيش كقوة مهيمنة ، وبما يتناسب وتعديل خرائط النفوذ لصالح القوى الغربية.
– تعطيل إنتقال الدول العربية نحو تحالفات منافسة للهيمنة الغربية في المنطقة، تحديداُ الصين وروسيا.

في هذه البيئة ،فإن الجيوش القوية المركزية في المنطقة تشكل عقبة أمام إعادة تشكيل خرائط النفوذ، أو الخرائط الجيوسياسية الجديدة .
فالعالم لم يعد أحادي القطبية ، والنظام الدولي يتغير ، والعالم بعاد ترتيبه، وهناك :
– صعود صيني إقتصادي .
– عودة روسية عسكرية .
– ضغوط أوروبية .
– سباق على أفريقيا والبحر الأحمر .

كل هذه التحولات تجعل منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ، ضمن الجغرافيا الاستراتيجية للصراع العالمي. فالقواعد العسكرية – المؤانيء – خطوط الطاقة – ممرات التجارة- كلها أصبحت أوراق حاسمة في الصراع .
بالتالي فإن السودان في كل ملفات الصراع الدولي يجلس حاضراً في المركز وليس على الهامش ، وذلك لأسباب واضحة:
– البحر الاحمر – ممر إستراتيجي عالمي للصين وأمريكا وروسيا و أوروبا.
– السودان يمتلك ساحلاً طويلاً غرب البحر الأحمر ، وهو ساحل إستراتيجي للأمن والاقتصاد العالمي- بالتالي وجود جيش قوي في السودان يعني دولة قادرة على تحديد من يسيطر على البحر الأحمر ، وهذا ما ترفضه القوى الكبرى.
– الموارد الضخمة (ذهب -معادن نادرة _ثروة زراعية -ممرات تجارة نحو أفريقيا) .
– موقعاً حاكماً بين شمال أفريقيا، وشرقها والعمق الأفريقي.

كل هذا يجعل السودان هدفاً إستراتيجياً بالغ الأهمية ، وليس مجرد دولة تعاني صراعاً أو حربا داخلية ، بل هو جزء من إعادة توازن القوة في العالم ، وجغرافية تنافس دولي يضم (الولايات المتحدة – الصين – روسيا – الإتحاد الأوروبي – قوى إقليمية ذات مصالح متضاربة) .
في هذا السياق يصبح :
* إضعاف الجيش ليس حدثا عشوائيا.
* صعود قوة موازية ليس حدثا محليا فقط .
* إستمرار الحرب ليس نتيجة داخلية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى