رأي

أمريكا بين مطرقة النفوذ الخارجي وسندان الشأن الداخلي

 

بروفسور أحمد مجذوب أحمد

هل الوضع الذى تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية حالياُ وانعكاساته على الدولار مماثل لما واجهه الجنيه الإسترليني فى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية؟ أم الأمر يمضي بمعدلات أسرع مما لحق بالجنيه الإسترليني ؟

هناك كثير من المؤشرات تفيد بتعدد وتنوع التحديات الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد الأمريكي، مما يشير إلى أن انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم وسيطرتها عليه مستندة إلى قوتها السياسية والاقتصادية -والذى ساد خلال الحقبة الماضية – فى طريقه للزوال، ليست تنبؤات وإنما قراءة للمؤشرات الداخلية والخارجية.

ولا شك أن المهتمين بالشؤون العالمية اطلعوا على ما تناقلته وسائل الإعلام خلال الأسابيع الماضية باعتماد استراتيجية جديدة للولايات المتحدة الأمريكية، خلاصتها هي: إعادة ترتيب أولوية السياسة الخارجية والاهتمام بالقوى الكبرى كالصين وروسيا وإعطاء أولوية أقل للشرق الأوسط، مما يعني تركيزاً أكثر على آسيا ومن ثم المحيط الهادي ، وتعزيز الردع الأمريكي بالمنطقة الغربية والأطواق الدفاعية، والربط بين الأمن القومي والسياسة الاقتصادية، مع تبني نهج عملي في التحالفات، مع استمرار الدعم الأمني لإسرائيل لتؤدي الدور المرسوم لها في الشرق الأوسط، مع تبني سياسة تخفيف الالتزامات العسكرية التقليدية، وتركيز الجهود على قضايا الداخل الأمريكى.

ومعلوم أن نقاش واعتماد أي استراتيجية جديدة لا يأتي من فراغ وإنما يبنى على تحليل للوضع الراهن، ولا شك أن المراجعة ومن ثم التغيير ، تعبر عن عدم مناسبة الاستراتيجية القائمة للمتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المحلية والعالمية، وفى ذلك إشارة إلى أن أسباباً جديدة أدت لذلك وستؤثر على ما بعد ذلك.

الواقع يبين أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد بذات الصورة التى بنتها لنفسها واقنعت العالم بها، وأن تراجع هذا الوضع دفع بعض الدول والتجمعات السياسية والاقتصادية للبحث عن مسارات جديدة موازية، حتى لا تضع بيضها فى سلة واحدة.

ففي الملف الإقتصادي ظلت الولايات المتحدة الأمريكية تعاني، ومنذ سنوات، من تحديات اقتصادية أثرت على سياساتها الداخلية وموقفها الخارجي، فقد بلغ عجز الموازنة ذروته في عام 2020 ، حيث وصل إلى 14،9‎% كنسبة من الناتج المحلى الإجمالي GDP بسبب جائحة كرونا، وانخفض إلى ‎%‎5،6 فى 2021 ومتوقع أن ينتهي العام 2025 ب ‎%‎6.4 وهى نسب عالية مقارنة بمؤشرات السلامة المالية، واذا نسب العجز إلى كل موازنة سنوية فقد يتجاوز الــ‎%‎25 مما يبين مدى هشاشة الوضع المالى للدولة.

وفى الجانب الآخر تجاوز الدين الداخلي ‎%‎120 من الـGDP منذ العام 2020 ، واستمر فى ذات المعدل ومتوقع أن يستقر هذا المعدل حتى نهاية العام 2025 .
وإزاء هذا الموقف جاءت إجراءات الرئيس ترامب – في الربع الأول من عام 2025 – والتي استهدفت مراجعة التعريفة الجمركية خاصة تجاه جمهورية الصين الشعبية التي تمثل أكبر شريك اقتصادي لأمريكا، وهذه الإجراءات جاءت ضربة قاضية لمنظمة التجارة العالمية WTO التي ظلت ترعاها وتدعمها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تحقق هذه الإجراءات أهدافها في تحسين وضع الموازنة، وظل الوضع متأرجحاً في مستوى ونسبة تنفيذ حزمة سياسات الرئيس ترامب الإصلاحية.

تزامن مع هذه الاجراءت نمو وتوسع تجمع دول الـ BRICS الذى يمثل تهديداً حقيقاً للنفوذ الأمريكي العالمي والوضع الإقتصادي الداخلي، حيث لم تقف تحركات هذا التجمع عند التعاون الإقتصادي داخل دول المجموعة المؤسسة له ، ولكنه تبنى الدعوة لتأسيس نظام عالمي بديل ، وأعلن تطبيق نظام للمدفوعات الدولية مواز لنظام المدفوعات العالمي الذي يتخذ من الدولار مرجعاً للتداول ويجعل من أمريكا شرطياً مراقبا لحركة الأموال العالمية.
وهو تحول يمثل بداية تراجع الدولار كعملة عالمية، وزاد الأمر تعقيداً بقبول عدد من كبار منتجي النفط في الشرق الأوسط لاستخدام عملة أخرى غير الدولار في تسوية تجارة النفط ومشتقاته، فآذنت هذه التحولات بأفول نجم البترو دولار الذى هيمن على تجارة النفط العالمية في الحقبة الماضية، ولا شك أن هذا سيضعف النفوذ الإقتصادي الأمريكي، وستفقد أمريكا استحواذها على ثروات العالم بورقة الدولار التي تطبعها ماكينات طباعة العملة الأمريكية، من غير قيمة حقيقية لها سوى الحماية الأمريكية.

فإذا قرأنا هذا مع آثار ارتفاع الدين الداخلي وعجز الموازنة وانعكاسهما على الاستقرار الداخلي وبداية تراجع حصة كبار مشتري هذه السندات بنسبة تصل إلى 25‎%‎ (الصين) التي انخفضت مشترياتها من سندات الخزانة من ترليون دولار إلى 750 مليار دولار عما كان عليه الحال فى 2024 ، واستقرت حصص دول أوروبا السنوية على ما كانت عليه، بما يفيد بتراجع الرغبة في الشراء، لكن الملاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية اضطرت لرفع عائد هذه السندات إلى ‎%10 سنوياً ، مما يعني ارتفاع خدمة الدين وازدياد الضغوط على الموازنة الأمريكية التي تعاني من العجز كما أشرت لذلك.

وفى حالة استمرار تراجع الدولار كعملة عالمية وزيادة عائدات السندات سيزداد العجز المالي بارتفاع خدمة الدين الخارجي، وعند أي تراجع في الطلب العالمي على هذه السندات ستضطر الخزانة لتسويق هذه السندات داخلياً مما يعني الاعتماد على السوق الداخلي، وهذه تمثل منافسة الحكومة للقطاع الخاص في موارد التمويل المتاح داخلياً (croud out)، كما يمثل بداية لاختلالات اقتصادية أهم مظاهرها، ارتفاع معدلات التضخم.
كل ماسبق يؤشر لاستمرار تراجع وضع الدولار كعملة عالمية وتمدد دور العملات البديلة ، مثل اليوان الصينى أو الروبل الروسي أو أي عملة تتفق عليها دول الـ BRICS لتسوية المبادلات بينها.

هذه المؤشرات بالإضافة إلى ما أدلى به كثير من الخبراء الاقتصاديين الأمريكيين وبعض العاملين السابقين فى منظمات اقتصادية دولية، من أن الاقتصاد الأمريكي في تراجع مستمر ، وأن اقتصادات ناشئة وتجمعات اقتصادية وليدة ستقود العالم وتنهى مرحلة سيادة الدولار الأمريكي، ومن ثم استمرار تراجع الولايات المتحدة الأمريكية لتراجع دورها الاقتصادي ونفوذها العالمي. ولعل أهم ما قيل في تنامي الاقتصاد الصيني ؛ التصريح الذي نسب لوزير الخزانة الأمريكية الذى قال فيه؛ أن الفائض الذي تحققه الصين في ميزانها التجاري العالمي يمثل تهديداً للاقتصاد العالمي وأنه طلب من أصدقاء الصين الحديث معها لتخفيض هذا الفائض بزيادة معدلات الاستهلاك ، وهو يؤكد حجم الرعب الذي أصاب الولايات المتحدة الأمريكية من نمو الاقتصاد الصيني.

أما في الملف السياسي فقد تراجعت كثير من قيم الحرية والعدالة وخير شاهد على ذلك ما قاله الرئيس ترامب عن نائبة الكونجرس الأمريكي ذات الأصول الصومالية (إلهان عمر) وتكفي المواجهات التي تمت لبعض المهاجرين والتعبئة التي حشدت ضد المهاجرين الجدد والقدامى الذين يحمل كثير منهم الجنسية الأمريكية، ومظاهر التراجع والانغلاق في الشأن السياسي والاجتماعي والتي تستدعي من كثرتها مقالاً منفصلاً.

وأخيرا يبقى السؤال: هل يتعظ سياسيو العالم الثالث – الذين يهرولون نحو أمريكا – أنهم يطاردون سراباً ويتعلقون بحبل عنكبوت ؟
مع تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى