جمهورية أفريقيا الوسطى .. بداية حقبة جديدة

السفير عطا المنان بخيت
كان الخبر السياسي الأهم لشعب الجارة أفريقيا الوسطى فى مطلع هذا العام هو إعلان لجنة الإنتخابات رسمياً عن فوز الرئيس آنج فستانج تواديرا بولاية ثالثة رئيساً لجمهورية أفريقيا الوسطى بعد إنتخابات مهمة جرت في الثامن والعشرين من الشهر الماضي.
وبالرغم من أن الحدث قد يبدو عادياً، فوز رئيس في بلد أفريقي يطبق الديمقراطية شكلاً وليس مضموناً، إلا أن الحدث بالنسبة لأفريقيا الوسطى، وللمهتمين بها ليس عادياً، ويحمل دلالات مهمة يجب وضعها فى الإعتبار والتعامل معها بجدية.
الدلالة الأولى لإنتخابات أفريقيا الوسطى، هى أنه لأول مرة في تاريخ البلاد، منذ الاستقلال، تنظم أربعة إنتخابات في وقت واحد، وهي الإنتخابات الرئاسية والتشريعية والولائية والمحلية، وجرت عملية التصويت بهدوء ودون تجاوزات أو تهديدات تذكر وبمشاركة كثير من الأحزاب المحلية والعديد من المراقبين. وكل ذلك يؤكد حقيقة واحدة مهمة جداً، إنها عودة الأمن والأستقرار فى البلاد.
صحيح أن بعض ولايات البلاد ماتزال تشهد تمرداً، ولكن مقارنة بالوضع السياسي والأمني منذ سيطرة مجموعة “السيلكا” على الحكم فى العام 2012، مرورا بالمجازر التى عمت البلاد بعد مواجهات الدموية مع جماعات الـ”أنتي بلاكا”، فإن الوضع الأمني قد تحسن بشكل مهول، وهذا تقدم جدير بالأهتمام والإشادة.
الدلالة الثانية والتى يجب الوقوف عندها، هي أن الرئيس تواديرا قد فرض نفسه بقوة فى المشهد السياسي في البلاد، وأصبح رقم لا يمكن تجاوزه، وهذا مالم يكن يتوقعه كثير من المتابعين للشأن الأفروسطي. وذلك لأن الرجل ليس له أي تاريخ سياسي نضالي، فقد عرف بإعتباره أكاديمي ناجح، كان مدرس رياضيات متميز في عدة جامعات وانتهى به المقام مديراً لجامعة بانغي، وكان يمكن أن يقضي بقية حياته بعيداً عن عالم السياسة وتعقيداتها. ولكنه دخل السياسة صدفة عندما عينه الرئيس بوزيزيه رئيساً للوزراء في ظل أزمة سياسية متفاقمة، ولم يبق فيها طويلا. وفى العام 2015 توافقت عليه كثير من القطاعات كرئيس ضرورة بعد أن تجاوزت البلاد مرحلة الأقتتال العرقي البغيضة، ربما كانوا جميعاً يرونه سهل المراس يمكن إقصاؤه متى ما تحسنت الأوضاع الأمنية كما حدث لكثيرين قبله. ولكن أستاذ الرياضيات الشاطر، حسبها صح، وكذب توقعات كل السياسيين الكسالى، حيث فاز فى إنتخابات 2020، ثم عدل الدستور في العام 2023 ليجعل الإستحقاق الرئاسي مفتوحا، وهاهو يفوز فى إنتخابات هذا العام بما يمكنه بالبقاء فى السلطة حتى العام 2030، ليكون أطول الرؤساء بقاءً في السلطة في تاريخ أفريقيا الوسطى. وهذا ما لم يحصل عليه الأمبراطور فيديل بوكاسا بكل رمزيته ولم يحصل عليه الرئيس باتاسية بكل شعبويته، ولا الرئيس بوزيزيه بكل عسكريته، وتلك أقدار الله يؤتي الملك من يشاء.
ويرى جميع المراقبين أن من مصلحة البلاد ومن مصلحة الإقليم بقاء الرئيس تواديرا حتى نهاية فترة ولايته، وذلك لأن أي تغيير بالعنف سيعيد البلاد إلى حالة غير مأمونة العواقب من الحرب والإقتتال وعدم الإستقرار، في إقليم هو أشبه ببرميل بارود.
تواجه أفريقيا الوسطى مشكلتان أساسيتان، الأولى هي الأمن والإستقرار، ويبدو أن الرئيس تواديرا، سيواصل التحالف العسكري والسياسي مع موسكو والذى أثبت نجاعته فى تحقيق الأمن فى البلاد. وبناءً عليه ستظل قوات الفيلق الأفريقي ومجموعات فاغنر تواصل عملها في تدريب القوات الأفروسيطية، والإنخراط معها في العمل الميداني، وستظل روسيا شريكاً أساسياً في المجال الأمني، وستعزز عملها في مناجم الذهب والماس والمعادن النادرة، لتغطى نفقات دعمها العسكرى للبلاد. كما أن القوات الرواندية ستواصل عملها إلى جانب روسيا.
من جانب آخر ستعمل الحكومة على التواصل مع مَن تبقى من الحركات المسلحة لإقناعها بوضع السلاح وفق الترتيبات السياسية التي ضمنتها إتفاقية الخرطوم الموقعة تحت مظلة الإتحاد الأفريقى فى العام 2018. وتظل إتفاقية الخرطوم الإطار السياسي الأهم لتحقيق الأمن واالمصالحة، مقارنة مع كل الإتفاقات التي وقعت من قبل.
المشكلة الثانية والتي تواجه الرئيس تواديرا وحكومته القادمة هي تحقيق التنمية وإعادة البناء، والنهضة الإقتصادية في البلاد، وهذا التحدي يحتاج إلى شركاء ليست روسيا من ضمنهم، وفي سبيل ذلك يمكن أن يتحالف الرئيس تواديرا مع كل من يرغب في التعاون معه لتحقيق التنمية وتحريك عجلة الإقتصاد المنهك فى بلاده. وسيطبق سياسة فتح الأبواب المفتوحة، والأبواب المفتوحة يمكن أن تدخل الهوام، كما يقول المثل الأفريقي، وهنا بيت القصيد.
لذلك فإن صانع القرار السياسي في السودان عليه أن ينظر للعلاقة مع الجارة الهامة أفريقيا الوسطى، وفق هاذين المعيارين، الأمن والإقتصاد، لأن كلاهما يؤثر على الأخر، وكلاهما وسيلة للآخر. وهذه مسألة هامة وعاجلة يجب أن لا تغيب عن مطبخ القرار السياسي ومحرك العمل الدبلوماسي في السودان. لأن ما يجرى في أفريقيا الوسطى وغيرها من دول الجوار يؤثر مباشرة على الأمن القومي السوداني. لا سيما والعالم اليوم في مرحلة الحقوق فيه تنال بمنطق القوة لا بمنطق القانون الدولي



