رأي

عندما تُجرِّم الحرب الضحايا .. التمويل الأصغر في مواجهة تصنيف أعمى

 

نعمان يوسف محمد **

في سياق إستثنائي صنعته حرب السودان، لم يعد التعثر في السداد مؤشراً على سوء نية أو ضعف كفاءة، بل صار إنعكاساً مباشراً لإنهيار منظومة الحياة والإنتاج. ومع ذلك، تصنف مؤسسات التمويل الأصغر غالبية عملائها الفاعلين – بمن فيهم مَن أجبروا على التوقف القسري – ضمن قوائم المتعثرين لدى وكالات التصنيف والإستعلام الإئتماني، في مفارقة قاسية تعاقب الضحية بدل معالجة سبب الجرح.

من التعثر الفردي إلى التعثر النظامي:

التمويل الأصغر بني تاريخياً على فرضية الإستقرار النسبي: دورة إنتاج، دخل منتظم وسداد دوري. لكن الحرب كسرت هذه الفرضية من جذورها. توقفت الأسواق، تعطلت سلاسل الإمداد، نزح المنتجون، فانهارت التدفقات النقدية. وحين يتحول “جل” العملاء إلى مقصرين في آن واحد، فهذا ليس تعثراً فردياً بل تعثر نظامي قهري. ومع ذلك، تتعامل أنظمة التصنيف الإئتماني بالأدوات نفسها التي تستخدم في أزمنة السلم، فتسجل المقصرين وتغلق عليهم أبواب التمويل مستقبلا.

التصنيف الائتماني حين يفقد سياقه:

وكالات الإستعلام الائتماني وُجدت لتقليل مخاطر المعلومات غير المتكافئة، لا لتكريس الإقصاء في الكوارث. وإدراج عملاء الحرب في القوائم السوداء بلا تمييز يفرغ التصنيف من عدالته، ويحوله إلى أداة عقاب جماعي. فتكون النتيجة، شلل إئتماني طويل الأمد، ووصم إقتصادي يمنع التعافي حتى بعد توقف الحرب.

التداعيات المتراكمة على مؤسسات التمويل الأصغر:
الضرر لا يقتصر على العملاء. فحين تراكم مؤسسات التمويل الأصغر محافظ متعثرة “مصنفة”، ترتفع المخصصات، تتآكل الرسملة وتتقلص القدرة على الإقراض. ثم تأتي الحلقة الأخطر: تشدد الجهات الممولة، فترتفع كلفة الأموال أو تنقطع، فتدخل المؤسسات نفسها في أزمة سيولة وربحية، وقد تدفع إلى الإغلاق أو الإندماج القسري. وهكذا يتحول القطاع من أداة حماية إجتماعية إلى بؤرة هشاشة مالية.

أخلاقيات التمويل في زمن الحرب:

التمويل الأصغر ليس نشاطاً تجارياً صرفاً؛ بل هو عقد إجتماعي وإقتصادي. وفي زمن الحرب، تتقدم أخلاقيات التمويل على ميكانيكا التحصيل. وتصنيف المتضررين قسرا كمتعثرين دائمين يخالف جوهر الشمول المالي، ويقوض الثقة بين المجتمع والمؤسسات.

المطلوب: بدائل واقعية وعادلة
لا يدور النقاش حول حلول مثالية أو معالجات سريعة، بل حول تبني تدابير عقلانية وواقعية تحد من الأثر التراكمي للأزمة، وتحول دون تحويل التعثر القهري إلى ضرر مالي وإجتماعي طويل الأمد. ومن بين هذه التدابير:
1. تعليق تصنيفات الحرب: إنشاء وسم خاص (القوة القاهرة) لدى وكالات الإستعلام، يجمد الأثر السلبي للتعثر القهري.
2. إعادة هيكلة جماعية: تحويل المديونيات إلى جداول مرنة مرتبطة بإستئناف النشاط، لا بمواعيد جامدة.
3. فصل الأداء عن الظرف: إعتماد مؤشرات بديلة تقيس نية السداد وسجل ما قبل الحرب.
4. دور الجهات الرقابية: إصدار توجيهات إستثنائية تلزم بالمعالجة النظامية للتعثر القهري، وتمنع الوصم الإئتماني الدائم.
5. تمويل تعاف مرحلي: نوافذ تمويل قصيرة الأجل لإعادة التشغيل، بضمانات تشاركية أو صناديق مخاطر مدعومة.

خلاصة القول: إن ما يحدث اليوم ليس أزمة سداد، بل أزمة حكم على الواقع بأدوات قديمة. وإذا استمر تصنيف ضحايا الحرب كمتعثرين دائمين، فإننا نغلق باب التعافي بأيدينا، ونحول التمويل الأصغر من رافعة إنقاذ إلى قيد طويل الأمد. فالعدالة الإئتمانية في زمن الحرب ليست ترفاً أخلاقيا؛ إنها شرط لازم لإستعادة الإقتصاد والمجتمع معا.

** خبير التمويل الأصغر، إستشاري التطوير المؤسسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى