رسالة ترامب وما حوت والانتقادات والتأييد الصادر بحقها

المحقق – محمد عثمان آدم
ما هي أبرز النقاط في الرسالة الشخصية التي بعث بها الرئيس ترامب إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي والتي أرسلت نسخ منها إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان و إلى الرئيس الإثيوبي و إلى القيادات الأعلى في السعودية والإمارات، وهم حلفاء أمريكا الأقوياء في المنطقة ولهم مصالح في كل من السودان ومصر وإثيوبيا.
أولاً: حكومة السودان ترحب وتدعم مبادرة الرئيس ترامب، فقد قال رئيس مجلس السيادة الانتقالي، “إن حكومة السودان ترحب وتدعم المبادرات والوساطة حول مياه النيل التي يأمل أن تقود إلى حلول مرضية تحفظ للجميع حقوقهم بما يساعد على استدامة الأمان في الإقليم”.
ماذا احتوت الرسالة؟:
تشير الرسالة، التي نشر نسخة منها مسعد بولس، ممثل ترامب لشؤون أفريقيا والعالم العربي، إلى أن:
– ترامب يتعهد بالإشراف الأمريكي على مفاوضات سد النهضة الإثيوبي، وتتضمن الرسالة مقترحات بشأن ضمانات المياه، وتقاسم الكهرباء، وإطار عمل لاتفاقية ثلاثية بين مصر وإثيوبيا والسودان.
– وتُصعّد الرسالة، التي شاركها ترامب على منصة “تروث سوشيال”، من التدخل الأمريكي في أمن المياه في شرق أفريقيا. وتأتي هذه الرسالة بعد أن لعبت مصر دورًا محوريًا في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، مما منح القاهرة نفوذًا دبلوماسيًا أكبر.
– وتركز الرسالة على أمن المياه، حيث أكد ترامب على الأهمية الوجودية لنهر النيل بالنسبة لمصر، محذرًا من أنه لا ينبغي لأي دولة أن “تسيطر بشكل منفرد” على موارد النهر، ووصف نزاع سد النهضة بأنه “مفهوم تمامًا”، وشدد على أهمية “المفاوضات العادلة والشفافة” لتجنب الصراع العسكري.
-وأكد ترامب اّن حل التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي يأتي على رأس أولوياته، “إذ أسعى لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا”.
مقترحات إتفاقية ثلاثية:
حددت الرسالة الاتجاهات العامة ووضعت إطارًا لاتفاق دائم بين مصر وإثيوبيا والسودان، يتضمن ما يلي:
تدفق مياه منتظم:
ضمانات لتدفقات المياه في المصب خلال فترات الجفاف.
تقاسم الكهرباء:
تزويد إثيوبيا جيرانها بالطاقة الكهرومائية بيعاُ أو مجاناً
إشراف الولايات المتحدة: مراقبة واشنطن للالتزام بالاتفاقية وتنسيق المفاوضات.
تم إرسال نسخ من المراسلات إلى القوى الإقليمية الرئيسية، مما يشير إلى تحالف أوسع. ومن بين المتلقين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، وقادة السودان وإثيوبيا.
يُعد سد النهضة، الذي بدأ بناؤه منذ عام 2011، نقطة خلاف. إذ تعتبره إثيوبيا حيويًا للتنمية، بينما تخشى مصر من انخفاض حاد في إمداداتها من مياه النيل. وقد فشلت الوساطات السابقة، بما في ذلك وساطة إدارة ترامب الأولى عام 2020، في التوصل إلى معاهدة ملزمة. ومع وصول السد لطاقته التشغيلية الكاملة، يُعيد تدخل ترامب المتجدد إحياء سباق الزمن الدبلوماسي.
-ماذا علق مؤيدو ومعارضو ما ورد في الرسالة:
في غضون ذلك، صرّح مسعد بولس، كبير مستشاري الولايات المتحدة للشؤون العربية والأفريقية بأن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب ملتزم بحل النزاعات المعقدة وتحقيق سلام دائم. وقال سيتم ذلك من “خلال قيادة أمريكية فعّالة في عهد الرئيس ترامب، مدعومة بالخبرة الفنية و عبر المفاوضات النزيهة وبحسن النية، يمكننا ضمان حل دائم لمصر وإثيوبيا والسودان”.
و اضاف بولس قائلاً : ”يُعدّ حلّ التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير أولوية قصوى لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يعمل على تعزيز السلام الدائم في أفريقيا والشرق الأوسط، ومنع نشوب صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا.”
أما كاميرون هدسون، الخبير الأمريكي في الشؤون الأفريقية، فقد حلّل الرسالة وتوقيتها بشكل مختلف، مشيرًا إلى عدد من القضايا التي قد تكون متداخلة ومتناقضة في إعلان ترامب عن وساطته في نزاع سد النهضة، وذلك تبعًا لكيفية تعامل الإدارة مع هذا الأمر.
أولًا، أشار إلى أن السلطات السودانية انتقدت بولس بشدة، محملة إياه، في كثير من الأحيان، المسؤولية نفسها عن جرائم الحرب في السودان و لم تستسيق أو تقبل أن يساوي بولس بين مليشيا الدعم السريع وقوات الشعب المسلحة السودانية، إذ قال هدسون: “لم يلقَ هذا الأمر استحسانًا في بورتسودان، وكان سببًا في مقاومتها للانخراط مع الحوار الرباعي. وهذا بدوره يُتيح فرصةً سانحةً للسلطات السودانية للضغط من أجل تحقيق نتيجة أفضل في وساطة واشنطن في حربها”.
و أضاف هدسون: “ويُمكن الآن (للسودان) وهو يرى سعي أمريكا لايجاد هذا الحل، عقد صفقة: دعم مطالب مصر بشأن سد النهضة مقابل اتخاذ ترامب موقفًا أكثر تشددًا تجاه قوات الدعم السريع وداعميها من الإمارات.
ثانيًا، هذه هي المرة الثانية خلال شهرين التي يُعلن فيها ترامب قضيةً إقليميةً في القرن الأفريقي على رأس أولوياته. وفي كلتا المرتين، لم ينبع هذا الاهتمام المُتزايد من سياسة داخلية تُعلنها في المصلحة الوطنية الأمريكية، بل بناءً على طلب حليف مُقرّب طلب تدخل ترامب – أولهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي طلب من ترامب التوسط في النزاع السوداني. لذا، يبدو الأمر أقرب إلى مُجاملة منه إلى التزام حقيقي، وهو أقرب إلى سياسة خارجية انتهازية اتسمت بها سنته الأولى في منصبه. وهذا ليس سيئًا تمامًا، ولكن .. كما في السودان، حيث كان الالتزام بالسلام موضع شك، نظراً لغياب مشاركة ترامب وروبيو الشخصية، يواجه سد النهضة تعقيدات عميقة ولن يُحلّ على مستوى بولس.
ثالثاً، من الواضح تماماً، كما ورد في تقارير منفصلة أن السيسي طلب تدخل ترامب، وهو ما حدث خلال ولاية ترامب الأولى. وقد أتت تلك الجهود بنتائج عكسية لأن إثيوبيا اعتبرت ترامب متحيزاً، وهو ما كان عليه بالفعل. ستُقرأ هذه الرسالة في أديس أبابا وكأنها تكرار لما حدث سابقاً. كيف لترامب أن يُخفف من النظرة السائدة في أديس أبابا بأن الولايات المتحدة تعمل كأداة لمصر؟ وكيف لا تدفع هذه الجهود إثيوبيا أكثر فأكثر إلى اللجوء إلى الركون إلى هيمنة أبوظبي وبالتالي تُعميّق الانقسامات الخليجية التي تتجلى في منطقة القرن الأفريقي؟
رابعاً، بالنظر إلى أن ترامب سيقود الآن وساطتين نشطتين ومستمرتين في القرن الأفريقي، بناءً على طلب جهات فاعلة عربية نافذة، في الوقت الذي يبدو فيه وضع القرن الأفريقي/البحر الأحمر متأرجحاً بين طرد الصومال للإمارات، واعتراف إسرائيل بصوماليلاند، وانسحاب الإمارات من اليمن بعد الغارات الجوية السعودية؛ مع اتهام إثيوبيا لإريتريا بتأجيج الصراعات الداخلية والخارجية- كل هذا خلال الأسبوعين الماضيين فقط-يُعدّ من سوء الممارسة الدبلوماسية أن تفتقر الولايات المتحدة إلى استراتيجية شاملة لهذه المنطقة بأكملها، وأن تفتقر أيضاً إلى مبعوث رئاسي معتمد من مجلس الشيوخ لإدارة هذه الحقيبة الضخمة.
إن فكرة إمكانية إحراز أي تقدم في هذه القضايا المصيرية، ناهيك عن حلها، بمعزل عن السياق، لهي فكرة سخيفة، خاصةً وأن جميع الأطراف الأخرى المعنية تبدو مستعدة لمساومات واسعة النطاق. إن عدم فهم كيفية ترابط هذه الدول وكيفية ارتباط صراعاتها الحالية والمستقبلية بهذه النتائج أمر خطير، وقد يحوّل المشهد السياسي والأمني المتوتر إلى وضع متفجر في وقت قصير جداً.
ويقول هدسون عن التطورات ذات الصلة بهذا الموضوع : أخيراً، لا شك أن الإمارات هي الخاسر الأكبر في الأسابيع القليلة الماضية وفي هذا الإعلان. فبعد أن “زحزحت في السودان بناءً على طلب المملكة العربية السعودية، وتدعم مصر الآن ضد حليف الإمارات متمثلة في إثيوبيا، أتوقع الآن أن نشهد رد فعل إماراتي أكثر حدة. “
و يقول انه و في ضوء كل هذا، ثمة فوائد جمة لتدخل واشنطن، شريطة أن يكون هذا التدخل مُلماً بالمعلومات، ومجهزاً بالكوادر والموارد الكافية، وهو ما لم يتوفر لجهودنا في هذه المنطقة حتى الآن” والأهم من ذلك، بالنظر إلى تاريخ الصراعات بين الدول في هذه المنطقة، فمن الحكمة عدم توقع أن يكون التدخل الأمريكي مفيداً لهذه القضايا حصراً. فالرد المتسرع قد ينقلب سريعاً إلى نتائج عكسية، ويزيد من حدة التوترات في المنطقة.”
ختاما نقول مع ذلك، لم تُصدر إثيوبيا ومصر أي رد فعل رسمي حتى الآن، على الرغم من أن منصتي الإنترنت وفيسبوك تعجّان بتعليقات من حسابات إثيوبية تنتقد المقترح الأمريكي الجديد.
في يوليو 2025، رفضت إثيوبيا بياناً يُعبّر عن وجهات نظر أمريكية مماثلة، مؤكدةً أن الولايات المتحدة منحازة بشكل واضح.



