الإمارات ..الثروة و وميض النفوذ .. لماذا فشلت في السودان؟

لم تكن التجربة الإماراتية في الإقليم مجرد تحركات سياسية عابرة، بل كانت محاولة صريحة لبناء نفوذ سريع يعتمد على أدوات المال، والموانئ، والواجهات، والتحالفات اللحظية ؛ لكنها كانت دائماً محاولة تسبقها رغبة وتغيب عنها الخبرة، تندفع دون قراءة، وتتحرك دون تقدير، وتظن أن الثروة وحدها تستطيع أن تعوّض غياب الدولة العميقة. وهذا المسار لم ينكشف كما انكشف في السودان.
فالإمارات، على الرغم من صعودها اللافت، ظلت دولة تملك الواجهة ولا تملك العمق، تملك أدوات التأثير ولا تملك فكراً استراتيجياً، وتملك المال ولا تملك البنية السياسية التي تسمح بإدارة ملفات إقليمية شديدة التعقيد. وعندما انضمت أبوظبي إلى مجلس الأمن الدولي كعضو غير دائم للفترة 2022–2023، بدا المشهد في ظاهره إنجازاً، لكنه في باطنه كشف الفجوة: حضورٌ دبلوماسي لامع من الخارج، لكنه بلا مدرسة سياسية واضحة خلفه، بلا مشروع تنتجه الدولة أو رؤية تقودها. كانت الجلسات التي ترأستها الإمارات انعكاساً لواقعها السياسي: أداء منضبط، لغة مرتّبة، لكن بلا أثر فكري، بلا مبادرة، بلا بصمة يمكن قياسها. حضورٌ يشبه الفلاش… لا الضوء.
هذه الذهنية نفسها حملتها الإمارات معها إلى السودان. دولة تتعامل مع السياسة كما تتعامل مع الاستثمار: عقود سريعة، أدوات قوية، متغيرات تُشترى، ووكلاء يُدعمون. لكنها نسيت أن السودان ليس “مشروعاً” ولا “صفقة”. السودان بلد ممتد، جيش مركزي، إدارة عميقة، مجتمع ذو طبقات متداخلة، ونظام سياسي مهما ضعف يبقى قائماً على جذور تمتد لعشرات السنين.
منذ 1989 وحتى سقوط الإنقاذ، لم تكن علاقة الإمارات بالسودان علاقة شراكة، بل علاقة قائمة على «وظيفة». السودان كان دولة محاصرة، واقتصاداً مخنوقاً، ونظاماً مالياً يتنفس عبر منافذ محدودة. والإمارات – بثروتها وصورتها كمركز مالي – تحولت إلى بوابة نقدية مفتوحة يتحرك عبرها المال السوداني: تحويلات أفراد، سيولة شركات، ودائع حكومية، أموال بحثت عن “مكان آمن” فوجدت المصارف الإماراتية. لكنها لم تكن بيئة تعاون، بل بيئة امتصاص. الثروة السودانية التي خرجت لم تُستخدم لحماية السودان، بل لصناعة نفوذ مالي إماراتي بلا مسؤولية سياسية تجاه الشريك.
ثم جاءت اللحظة الحاسمة في 2018، اللحظة التي سقط فيها النظام من الداخل قبل أن يسقط من الخارج. المؤتمر الوطني انقسم إلى تيارات: تيار إصلاحي يبحث عن تجديد سياسي، تيار يرفض ترشيح البشير، تيار يتمسك بالاستمرار، وقوى أمنية تدير صراعاً خفياً. مجلس الشورى لم يكن مؤسسة قرار، بل ساحة صراع مكشوف. كانت تلك اللحظة فرصة ذهبية لأي دولة تمتلك رؤية: دعم تيار وفتح مسار انتقال، أو ترتيب موازين النفوذ داخل مؤسسات الحكم، أو دعم ترتيبات سياسية تحفظ الدولة وتعيد إنتاج السلطة بطريقة محسوبة.
لكن الإمارات، باندفاعها المعتاد، لم ترَ هذه الفرصة. لم تدعم الانتقال. لم تدعم الإصلاح. لم تحمِ الدولة. بل اتجهت مباشرة إلى دعم القوة التي لا تمثل الدولة: الفاعل المسلح خارج المؤسسة. وهذا هو الخطأ الذي لا ترتكبه دولة لديها أبسط مقومات الفهم الاستراتيجي. لأن كل دولة محترفة تعرف: يمكنك شراء حزب، شراء قرار، شراء تحالف… لكنك لا تستطيع شراء وطن عبر ميليشيا. الميليشيا ليست وسيلة نفوذ، بل وسيلة لتدمير الدولة.
كانت أبوظبي تعتقد أن السودان قابل للهندسة كما يُهندس ميناء أو شركة. لم تفهم أن السودان ليس صفحة بيضاء، وليس فراغاً سياسياً، وليس جسداً بلا ذاكرة. لم تفهم أن جيش السودان ليس جسماً ضعيفاً، ولا مؤسسة قابلة للإزاحة، بل عمود دولة يعود إلى 1925، له عقيدته وطباعه وامتداده في كل المجتمع. الرهان على قوة موازية لم يكن مجرد خطأ، بل كان انتحاراً سياسياً.
والشعار الإماراتي عن «محاربة الإسلام السياسي» كان مجرد ستار. ففي 2018، لم تكن الحركة الإسلامية السودانية في حالة قوة. كانت ضعيفة، منقسمة، ومُستنزفة سياسياً وفكرياً. لم يكن هناك خطر أيديولوجي يستدعي تدخلاً عسكرياً أو تمكين ميليشيا. الذي حدث لم يكن مواجهة للإسلاميين… بل مواجهة للدولة نفسها.
في خلفية المشهد، كانت هناك رغبة واضحة لإعادة تشكيل ميزان القوى في السودان:
إضعاف الجيش،
تفريغ المركز،
فتح الجغرافيا،
تفكيك المؤسسات،
وخلق فراغ يسمح بتوسيع النفوذ في البحر الأحمر والمنافذ الحيوية.
وهذه الأهداف – سواء أُعلنت أم لم تُعلن – ظهرت نتائجها على الأرض: مدن تُفرّغ، أطراف تشتعل، اقتصاد ينهار، مجتمع يُدفع نحو الهجرة والنزوح، ودولة تُجرّ إلى حافة التفكك.
وعندما انفجرت الحرب، لم تكن الإمارات مستعدة لإدراك حجم الخطأ الذي ارتكبته. القوة التي تبنتها خرجت عن السيطرة. الخرطوم سقطت لأنها تلقّت الضربة من خارج الدولة. الفوضى تمددت لأنها لم تكن نتيجة صراع داخلي طبيعي، بل نتيجة ضخّ قوة ليست جزءاً من بنية الدولة. ثم تحولت العملية كلها من «نفوذ سريع» إلى «مستنقع طويل» لا يمكن الخروج منه بسهولة.
اليوم، السودان يقاتل لاستعادة الدولة. أما الإمارات، فتقاتل لاستعادة صورتها. السودان يقاتل معركة وجود، بينما الإمارات تواجه أسئلة: لماذا فعلت؟ كيف أخطأت؟ كيف وجدت نفسها في قلب صراع لم تفهم خرائطه؟ وكيف سمحت لنفسها أن تتحول من دولة تبحث عن نفوذ إلى دولة تتهم بأنها شاركت – بوعي أو بلا وعي – في تفكيك دولة عربية كبيرة؟
وهنا يظهر المعنى الحقيقي للعنوان:
الثروة تُنتج الوميض… لكنها لا تُنتج دولة.
النفوذ السريع يصنع ضجيجاً… لكنه لا يصنع استراتيجية.
المال يفتح الباب… لكنه لا يمنح العقل.
والدولة التي لا تمتلك مؤسسة سياسية عميقة ستفشل كلما حاولت لعب دور أكبر من حجمها.
فشلت الإمارات في السودان لأنها لم تفهمه.
وفشلت لأنها دخلت إليه بأدوات لا تبني دولة بل تهدمها.
وفشلت لأنها أرادت اختصار التاريخ بالسلاح والمال.
والسودان ليس دولة تُختصر… بل دولة تعيد ترتيب من يحاول اختصارها.
ولهذا، سيعود السودان… لأنه دولة لها جذور.
لكن الإمارات ستعيد النظر – مرغمة – في كل ما اعتقدت أنه نفوذ، ليتضح أنه كان مجرد وميض على سطح بحرٍ أعمق منها بكثير.



