رأي

نهاية السيادة الوطنية والنظام العالمي في منتدى دافوس (2-2)

بروفيسور إبراهيم محمد آدم

في جلسات منتدى دافوس كما سبقت الإشارة إليه، حذر قادة دول مثل رئيس وزراء كندا مارك جوزيف كارني في الخطاب الذي ألقاه أمام المنتدى في دورته الأخيرة من تآكل النظام الدولي الحالي، وشدد بعضهم على ضرورة بناء استقلال إستراتيجي للدول والحلفاء، وأشار كارني المحافظ السابق للبنك المركزي الكندي وكذلك البنك المركز البريطاني، في خطابه أيضاً إلى أن القوى المتوسطة مثل كندا التي ازدهرت خلال حقبة “الهيمنة الأمريكية”، تحتاج إلى إدراك أن واقعاً جديداً قد بدأ، وأن “الامتثال” لن يحميها من عدوان القوى الكبرى.

 

وأضاف مارك إن كندا ليست لديها “أوهام” بشأن الوضع المحفوف بالمخاطر للعلاقات العالمية، وأضاف “العالم أكثر انقساماً، التحالفات السابقة يعاد تعريفها، وفي بعض الحالات تقطع”، وقد جاء هذا رداً على تصريحات ترامب الذي طالب بضم كندا كولاية جديدة تضاف إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نشر ترامب صورة في حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي لخريطة تظهر كندا وغرينلاند وفنزويلا مغطاة بالعلم الأمريكي، وهذا الحديث يجيء كذلك من قادة مثله، دولهم أعضاء أساسية في النظام الدولي وحليفة مقربة للولايات المتحدة.

 

وقد أثار خطاب كارني غضب ترمب الذي قال في كلمته في اليوم التالي لذلك الخطاب في دافوس “شاهدت رئيس وزرائكم أمس، لم يكن ممتناً بما فيه الكفاية”، وأضاف “كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة. تذكر ذلك يا مارك، في المرة المقبلة التي تدلي فيها بتصريحاتك.

وفي محاولة لتخفيف ذلك التوتر قال كارني في خطاب بمدينة كيبيك قبيل بدء الدورة التشريعية الجديدة إن “كندا لا تعيش بفضل الولايات المتحدة. كندا تزدهر لأننا كنديون”، ولكنه أقر في نفس الوقت بالشراكة الرائعة بين البلدين.

وتكررت هذه التصريحات على هامش المنتدى من قبل، مع تهديدات غير مباشرة من قبل الرئيس ترامب لحلفائه في العمق الأوروبي بأنه إذا لم يُستجب لمطلبه بخصوص ضم غرينلاند، فسوف ينفذ ما اراد سلماً او حرباً ، وقد أكد ذلك بقوله للأوروبيين إنه “لولا الولايات المتحدة لكانوا يتحدثون الألمانية أو اليابانية”، في إشارة إلى دور بلاده في الحرب العالمية الثانية حين تدخلت في نهاية الحرب لنصرة أوروبا ثم اتبعت ذلك بمشروع مارشال لاعمارها.

لقد توسعت أمريكا في الماضي بشراء مقاطعات مثل ألاسكا من روسيا التي كانت تخشى أن تخسر ألاسكا مجانًا لصالح بريطانيا إذا اندلع صراع جديد، فقررت البيع لتجنب خسارتها بالكامل وأما لويزيانا فقد تم شراؤها من فرنسا وقد كانت مساحتها أكبر من مساحة السودان قبل انفصال الجنوب، ولكن اليوم تقضم الأراضي بالقوة وبلا مقابل فقد جاء ترامب بمبدأ القوة التي بلا كوابح واستعد لذلك بتغيير اسم البنتاغون إلى “وزارة الحرب” بدلاً عن “الدفاع”، ثم أعلن من دون حرج رغبته في تغيير أنظمة دول معينة والاستيلاء على أخرى مثل ما فعل في فنزويلا بعملية أطلق عليها اسم “عملية العزم المطلق” بدأت في 3 يناير 2026، وهي عملية عسكرية خاصة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بتهم متعلقة بالإرهاب والمخدرات، حيث اقتادوه ليلاً من قصره إلى سفينة في عرض البحر ثم إلى طائرة أقلته إلى نيويورك وتم عرضه أمام الكاميرات لتنقل ذلك كل وسائل الإعلام ، حينها عرض مثل أي مجرم عادي قبضت عليه الشرطة أثناء سرقة أحد المنازل ثم أعلن عن إجراءات لمحاكمته وزوجته بدأت بالفعل بجلسة استجواب أولية تعقبها أخرى في شهر مارس القادم رغم أنه رئيس منتخب لدولة مستقلة ذات سيادة، وقد صاحب ذلك التدخل العسكري غارات جوية واستخدام لأسلحة محرمة دولياً ومنها أسلحة كيمائية، قتل بها المئات من حرس الرئيس والمواطنين الفنزوليين ،كما صحب ذلك قصف للبنية التحتية الفنزويلية.

هذا وقد أثارت العملية جدلاً واسعاً حول انتهاك سيادة دولة مستقلة، ففي الماضي كانت الحروب تقع وآخر ما يتم الاستيلاء عليه هو عاصمة الدولة ثم قتل أو اعتقال الرئيس ولكن تلك العملية بدأت باختطاف رئيس الدولة، ويراد لها أن تنتهي بالضم الكامل لها إلى أمريكا بحسب خارطة ترامب المشار إليها، وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة تلك العملية بأنها تثير مخاوف، بينما دافعت عنها واشنطن واعتبرتها ناجحة للغاية.

إن هذا يعني عملياً أن اتفاقية  فيينا  1969قد سقطت، وتم تمزيق الاتفاقية الدولية الموقعة 1973 لمنع ومعاقبة الأشخاص المحميين دولياً، مثل مسؤولي الدول وكافة الدبلوماسيين. وقد حذر غوتيريش، الأمين العام للامم المتحدة، من عالم لا مكان فيه إلا للأقوى، عالم تتحول فيه الحدود إلى خطوط من رمال أمام “أطماع المتنمرين”.

وعند هذا الحد، لم تعد مخاوف انهيار النظام العالمي ترفاً أكاديميا لنا نحن اساتذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث انخرط قادة دول مهمة في رثاء المنظومة الدولية وأعلنوا أنه لا مناص من مواجهة الغطرسة للدخول في عصر تمتلك فيه القوة كلمة الفصل في الاستيلاء على الثروة وتغيير الحدود مثل ما قال المسؤولون الايرانيون الذين أذاقهم ترامب سوء العذاب في يونيو من العام 2025م فأعاد برنامجهم النووي والتسليحي سنوات طويلة للوراء.

إن التخلي عن دراسة وتدريس النظم التقليدية ابتدره بعض من أساتذة العلوم السياسية مثل الأكاديمي اللبناني كمال حبيب، وهو باحث وأكاديمي وصحفي متخصص في الحركات الإسلامية والعلوم السياسية، معروف بأبحاثه عن الحركات الإسلامية المعاصرة ، ومساهماته في المراجعات الفكرية داخل الحركات الإسلامية، وقد حصل على شهادات عليا من جامعة القاهرة، وله مؤلفات بارزة مثل “الحركة الإسلامية من المواجهة إلى المراجعة”، فقد أعلن توقفه عن تدريس مقررات القانون الدولي لكونها لم تعد مهمة، ودفعته هذه التطورات السالبة إلى القول أنه يرى أن نعي النظام العالمي هو الرد المناسب إزاء تفرّج الحكومات على إسرائيل وهي تعيث فساداً وتُهلك الحرث والنسل في غزة وفي كل أرجاء منطقة  الشرق الأوسط، وتعبث أمريكا بكل العالم تحت سمع وبصر الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى