المبعوثون الدوليون: قراءة الصورة الكلية قبل تكرار الفشل

د. إسماعيل ساتي
إن النظر إلى الأزمات كل على حدة يفضي غالباً إلى استنتاجات مضللة. أما رؤية الصورة الكلية لكيفية تعامل الدول الكبرى، ومعها بعض الدول العربية، مع أزمات العالم، فهي وحدها الكفيلة بتغيير زاوية الفهم. فبدون استيعاب هذا السياق الشامل، ستتكرر المحاولات ذاتها، بالأدوات نفسها، وبالنتائج نفسها، مهما تغيرت الأسماء والعناوين.
في هذا المقال، لا نتناول حالة بعينها بقدر ما نفكك نمطاً متكرراً في إدارة الأزمات، تقوده الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ويُعاد إنتاجه اليوم في المنطقة العربية والأفريقية، مع اختلاف الساحات لا المنهج.
البوسنة .. من سيبرينيتسا إلى سلام بلا عدالة:
يُقدَّم التدخل الغربي في البوسنة في أوائل التسعينات باعتباره قصة نجاح دبلوماسي، غير أن هذه الرواية تتجاهل حقيقة مركزية: مذبحة سيبرينيتسا وقعت تحت سمع وبصر القوات الدولية، التي فشلت – أو امتنعت – عن حماية آلاف المدنيين داخل منطقة كانت مصنفة “آمنة” دولياً.
اتفاق “دايتون” لم يكن انتصاراً للعدالة، بل تسوية فرضها ميزان القوة، أوقفت الحرب دون محاسبة حقيقية، وأنتجت دولة مشلولة، قائمة على تقسيم إثني دائم. ما جرى لم يكن حلاً للصراع، بل إدارته وتأجيل انفجاراته.
كوسوفو .. تثبيت نفوذ لا بناء استقرار:
في كوسوفو، لم يكن الهدف إحقاق القانون الدولي، بل إعادة رسم خرائط النفوذ في البلقان. فُرض الانفصال بالقوة، وبقي النزاع القانوني والسيادي مفتوحاً حتى اليوم. المبعوثون أدوا دورهم كما هو متوقع: تثبيت واقع يخدم الأمن الغربي، لا معالجة الجذور العميقة للصراع.
ليبيا .. الفوضى كخيار سياسي:
وفي ليبيا، تكررت المعادلة نفسها: اتفاقات بلا ضمانات، وشرعيات مؤقتة، وصراع يُدار بحيث لا ينتصر أحد، ولا تقوم دولة.
سوريا .. الفوضى كواجهة سياسية:
في سوريا، تحول المسار السياسي إلى واجهة شكلية، بينما كانت القرارات المصيرية تُتخذ خارج الأمم المتحدة. تعاقب المبعوثون وبقيت الأزمة، لأن الإبقاء على الصراع المدار كان أنسب لتوازنات القوى من حسمه. وظل هذا الواقع قائماً إلى أن حققت المعارضة العسكرية بقيادة أحمد الشرع تقدماً ميدانياً حاسماً على جيش بشار الأسد، ما اضطره إلى الفرار نحو موسكو.
جنوب السودان .. تفكيك دولة ثم إدارة الانهيار:
يُروج لاستقلال جنوب السودان كنموذج نجاح للوساطة الدولية، بينما الحقيقة أنه مثال صارخ على تفكيك دولة دون بناء بديل قابل للحياة. تحقق الهدف الجيوسياسي، ثم تُرك البلد يغرق في حرب أهلية، فيما اكتفى المبعوثون بإدارة الانهيار بدل معالجته.
أفغانستان .. انتصار طالبان لا “انسحاب منظم”:
تحاول السردية الغربية توصيف ما جرى في أفغانستان عام 2021 على أنه “انسحاب منظم” بعد استكمال المهمة. غير أن هذا الوصف لا يصمد أمام الوقائع: ما حدث كان انتصاراً عسكرياً وسياسياً كاملاً لحركة طالبان أو “الإمارة الإسلامية”، بعد عشرين عاماً من الاحتلال، انتهت بانهيار الكيان السياسي الذي أنشأته الولايات المتحدة خلال أيام.
لم تكن المشكلة أن دولة وطنية سقطت، بل أن مشروع دولة صُنع خارجياً، بلا جذور اجتماعية أو سيادة حقيقية، تُرك لينهار عمداً مقابل ضمان خروج آمن للقوات الأجنبية.
المفاوضات التي أدارها المبعوثون في الدوحة لم تُصمم لحماية الحكومة الأفغانية التي أنشأتها الولايات المتحدة، بل لتقليل خسائر القوة المنسحبة. وهنا لم يكن المبعوث وسيط سلام، بل مدير هزيمة مغلفة بلغة دبلوماسية.
السودان .. تضارب المصالح وشرعنة التدخل:
وفي السودان اليوم تتجسد هذه الصورة الكلية بأوضح صورها، من خلال تعدد المبعوثين والمسارات التي لم تقرب الحل، بل عمقت الأزمة، وغطّت على تضارب صارخ في المصالح الدولية والإقليمية.
منذ عقود دخلت الساحة أسماء متعددة من المبعوثين الذين لعبوا دوراً في إدارة الأزمة، من بينهم مبعوث الأمم المتحدة فولكر بيرتس (Volker Perthes)، وسفير الولايات المتحدة توماس جوودفري (Thomas J. Goodfry)، وغيرهم. في كل حالة كان الحديث عن الحوار والوساطة، بينما الواقع كان إرسالاً لحراك يخدم مصالح القوى الخارجية أكثر من مصلحة السودانيين.
ومن أبرز هؤلاء اليوم مسعد بولس، الذي ظل يزور دول الإقليم الواحدة تلو الآخرى دون أن يعرج ولو لمرة واحدة على الجلوس مع حكومة السودان التي يعترف بها العالم. لقد زار الرجل مصر وتركيا والإمارات (مراراً) والسعودية وقطر وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وأوغندا وغيرها من العواصم الإقليمية، غير أنه لم يقم بزيارة بورتسودان أو الخرطوم ولو لمرة واحدة، وذلك في سياق محاولات واضحة لإرغام حكومة السودان الشرعية على قبول شروط لا تحقق إلا مصالح الدول الكبرى.
قد يُقال إنه يُصر على التعامل مع طرفي الصراع “بتوازن”، وهو أمر رفضته الحكومة السودانية مراراً لأن قوات الدعم السريع متمردة على الدولة وارتكبت جرائم حرب، ومن حيث المبدأ لا يمكن مساواتها بجيش نظامي أو حكومة شرعية.
الأخطر من ذلك هو الضغط الغربي المتواصل لفرض قبول الإمارات ضمن ما يُسمى “الرباعية”، رغم كونها طرفاً أساسياً في إشعال الحرب واستمرارها. فالإمارات، وفق معلومات وتقارير متداولة على نطاق واسع، قدمت الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك الأسلحة والمعدات والمركبات، إضافة إلى معالجة جرحاهم.
ومع ذلك، يُطلب من السودانيين القبول بها كوسيط أو “ضامن”. هذه ليست وساطة، بل إعادة تدوير لطرف فاعل في الحرب داخل مسار الحل، بما يخدم توازنات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة السودان أو وحدته.
الخلاصة: نمط متكرر عبر العقود
عبر كل هذه الأمثلة التاريخية – البوسنة وكوسوفو وليبيا وسوريا وجنوب السودان وأفغانستان، وصولاً إلى السودان – يتضح نمط متكرر في إدارة الأزمات:
1. إرسال مبعوثين وأذرع سياسية بدل حلول جذرية.
2. تحييد الحكومة الشرعية أو القوى المحلية الحقيقية من صنع القرار.
3. إدامة الصراع بما يضمن مصالح القوى الكبرى، بدلاً من إنهائه.
4. خلق واجهات دبلوماسية ومسارات وساطة تبدو حيادية، لكنها في واقعها أدوات لإعادة تدوير النفوذ.
من هذا المنظور، يمكن فهم ما يحدث في السودان اليوم كامتداد لهذا النهج: محاولة فرض توازنات خارجية على أرض السودان، مع إبقاء “طرفي الصراع” في حالة صراع دائم واستبعاد الحكومة الشرعية من القرار الحقيقي. هذه التجارب التاريخية تمنحنا درساً واضحاً: الأزمة لن تُحل إلا من خلال قوة وطنية جامعة، قادرة على الدفاع عن مصالح السودان ومؤسساته، وليس من خلال وساطات خارجية تُدار وفق مصالح الغير.
المبعوثون الدوليون ليسوا أدوات سلام محايدة، بل أذرع سياسية تتحرك ضمن سقف مصالح القوى التي أرسلتهم. وحين يتعارض الحل الجذري مع هذه المصالح، يصبح إدارة الصراع خياراً مقصوداً لا نتيجة عرضية. ولهذا، فإن الفشل المتكرر ليس لغزاً بل وظيفة.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: إذا كانت هذه التدخلات قد فشلت في إنهاء الحروب، ولكنها نجحت في حفظ مصالح الخارج، فلصالح من كان هذا “الفشل”؟



