رأي

الخرطوم كيف ؟ أسالني دبل

محمد عبد الرحيم جاويش

تتوالى علي الاتصالات من اصدقائي وأصدقاء أبنائي (كمان) ، منذ أن رجعت الخرطوم ، كلهم يطلبون إجابة سؤال واحد فقط (الخرطوم كيف) …ظللت أطنش في البداية حتى أتفادى الانطباع الأول أو (شرقة) الرجوع بعد فراق حوالي ثلاثة أعوام … أقدم إجابتي الخاصة وقد تخطيت الأسبوع الثالث من الوصول.

أولاً ، التي أتحدث عنها هي الخرطوم المدينة أو (محافظة الخرطوم)، ولست مسؤولاً إن فهم أحدهم أنني أعني ولاية الخرطوم (العاصمة المثلثة).

هذه المدينة تتهيأ لاستقبال أول رمضان بعد التحرير، لكنها بلا رائحة الحلو مر التي طالما عطرت الأجواء في رجب وشعبان، ربما تسأل وحُق لك، لماذا وقد اقترب رمضان ؟ ببساطة الخرطوم الآن هي أكبر (تجمع عزابة) ومنذ متى كان العزابة يعوسون الآبري ؟ يمكنها الآن أن تفوز بمسابقة أكبر مدينة للعزابة ؟ لكنه هو العالم الغريب، ينظم منافسات المدن في شتى المجالات، إلا ما يمكن أن نفوز فيه…نعمل إيه إنها ازدواجية المعايير…يعني بس دي ؟

معظم العائدين تركوا أسرهم، وجاءوا كتيبة استطلاع، أو قل ناس مراسم لإعداد المسرح.

هذه أيام فريدة في حياة هذه المدينة، ولن تدوم طويلا، فمن فاتته، لا أدري ماذا سيحكي لأحفاده.

تبدو المدينة وكأنها سافرت عبر الزمن، فعدد سكانها تقريبا مثلما كانوا قبل 56 (أها مبسوطين يادعامة وصمود وثمود؟)، فلربما تمشي في أحد شوارع الأحياء ولا تقابل إلا إثنين أو ثلاثة اشخاص. تنام المدينة بعد صلاة العشاء وتناول طعام العشاء ، نعم حرفيا كذلك، الخرطوم بالليل الآن غير أي خرطوم عهدتها من قبل…

وأنصحك إن كنت من هواة السهر والحفلات وفترت عزيمتك عن تغيير ذلك ، ففرصتك الآن أن تسرع للخرطوم، ستتغير مجبرا أخاك لا بطل. وان كنت تجاهد نفسك حرصا على الصف الأول في الصلاة أو الثاني، فلتعلم أن معظم المساجد صفها الأخير هو الصف الثاني.

أهل الخرطوم الآن يتعاملون مع بعضهم بود ومحبة وتعاطف، كأنهم أقارب بينهم رحم ، ربما أثرت فيهم أخلاق القرى التي نزحوا إليها، ربما غابت روح المنافسة تلك التي كانت المدينة الأعلى كثافة بين مدن السودان بل ومن أعلاها على مستوى أفريقيا، ربما لأن المصائب تجمعن المصابين. أيا كان السبب، فحياتهم الآن حلوة…، قرابة الشهر ولم أر (شكلة) أو نفس حار ، ولم أسمع بها…، وأن أردت معاملة رسمية في السجل المدني أو أي مؤسسة أخرى، يأتيك إحساس بأنهم أسعد منك في تقديم الخدمة، ياخي ناس هيئة مياه الخرطوم لما جاءوا لإصلاح ماسورة مكسورة في الحي، كانوا مبسوطين أكثر من ناس الحي، يبدو أن الشيطان خرج مع (الجاهزية) أو علق في جزيرة ابستين، ثم ساد الحب في الخرطوم ، منو الكان بيقول الزحمة فيها الرحمة ؟ بالله كلموه…

ويسألني صديقي ياسر (الخرطوم آمنة)…، نعم آمنة، تسير فيها لا تخشى إلا الله والبعوض…، فإن أتيت الآن فلا تنسى الناموسية..

ياربي في حوادث حركة ؟ أقولها وبكل طمأنينة هناك حركة بلا حوادث. وهناك شرطة مرور تقابلك بابتسامة في أي مكان…(ابتسم أنت في الخرطوم) ..

عمال ومهندسو الكهرباء ينشرون البهجة، كلما أنزلوا محولا أو رفعوا أعمدة أو شدوا أسلاكا، ويفرح الناس كأنما الكهرباء تصلهم لأول مرة..

ألم نقل أن الخرطوم تسافر عبر الزمن…، أحيانا تسافر لما قبل 56 ، وأحيانا أخرى تسافر لسنوات قادمات…لو أجرينا استطلاعا الآن بين مدن العالم حول المعرفة بنظم الطاقة الشمسية المنزلية، بلا شك سكان الخرطوم سيكونون في المراكز الأولى أو المركز الأول بلا منافس… أي مواطن فيها ممكن أن يحدثك عن الانفيرترات، وأنواعها، والبطاريات الليثيوم وغير الليثيوم والألواح وتكلفتها وزاوية تركيبها…وينصحك بأفضل الخيارات، كمان نحن بنهظر…

 

سيلومني كثيرون من أهلها فقد كشفت سعادتهم، وأخشي أن يحملوني المسئولية إذا عادت الصفوف.

من أسهل الاشياء أن تجد منزلا في الخرطوم تسكنه الآن إن لم يكن لديك منزل…فقط أخبر ثلاثة من أصدقائك خارج السودان أنك تريد منزلا تسكن فيه ريثما ترتب أوضاعك، فستصلك خمسة عروض على الأقل.

سألني صديقي وقد لمست فيه بعض رهبة من العودة: “أها الخرطوم تاني فيها شنو ؟” ، قلت له تدخلها بدون تأشيرة، وتمكث فيها ماشاء الله بدون إقامة، وكل دكاكينها تبيع منتجات سودانية، وتدفع لمشترياتك من بنكك مباشرة” أها أسألني( دبل)…

مقالات ذات صلة

2 تعليقات

  1. تحياتي واحترامي لباشمهندس محمد عبدالرحيم جاويش علي السرد الجميل المشوق حقيقة سمعنا احاديث وقصص كتيرة عن الخرطوم بعد تحريرها من الجنجويد الانجاس ولكن للامانة سردك مختلف تماما ومتميز لابعد الحدود ….حقيقة اختلاف كبير جدا جدا بكل تاكيد في تفاصيل الحياة بين الخرطوم في ظل وجود المليشيا الجنجويدية ومابعدها…..انا ظللت موجود سبعة شهور ابان الاحتلال ….اصعب شهور عشتها في حياتي مستنقع هواجس وخوف وتربص وموووت وانتهاكات وتعذيب وترهيب وكل مايخطر في بال بشر……كنا مجموعة من العزابه فقط في منطقتنا ممكن بالساعات ونحنا قاعدين مع بعض مابتتنطق كلمة واحدة ولا حرف …ناس مهلوعة بصورة دايمة ولمن يبداء نقاش وحوار يكون شبيه بالهمس تغيرت ملامح الجميع حرفيا …حصلت حاده غريبه بعد الشهر الرابع تقريبا فقدنا الاحساس بالحياه واصبحنا مابنبالي كتير زي اول تلاته شهور لدرحة الموت كان اقرب للجميع في اي لحظة …في الاخير الجنجويد قتلو من قتلو واعتقلو وعذبو مجموعة في الاخير هددونا بصريح العبارة انو خلال يومين لو لقينا اي فرد منكم حيتم قتله او اعتقاله باعتبارو فلولي او فرد امن واستخبارات وطلعنا ولمن وصلنا اقرب منطقة خارج سيطرة الجنجويد لاشعوريا انهمرت دموع الجميع فرحا بالامن والامان واحاسيس كتيرة لاتحصي ولاتعد…….لعنه الله علي الجنجويد وعلي كل من يقيف معهم بكل الاشكال..

  2. محمد عبد الرحيم جاويش هل تعلم من هو سبب هذه الحرب والمستفيد الاول منها و المصر حتى الان على استمرارها ام تريد توضيح؟؟
    انا مستعد ان اوضح واشرح لك لكن بشرط واحد فقط وهو ان تخاف الله في خلقة وان تخرج الحقيقة لعنة الله عليكم يا كيزان في هذا الشهر الكريم لعنة تلحقكم الى جهنم وبئس المصير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى