رأي

دولة القانون في السودان .. بين سطوة القوات المسلحة وهشاشة النخب السياسية

 

خالد البلولة **
القانون هو أساس العدالة والمساواة، و عندما يطبق القانون على الجميع دون استثناء تُضمن الحقوق ويتم حماية المجتمع من الفوضى.
وتُعد سيادة القانون، وتطبيقه بعدالة من الركائز الأساسية لسلامة الدولة، وحقوق الإنسان، والتنمية المستدامة، ومحاربةً الفساد والانحراف.
لستُ من أنصار إقامة دولة ديمقراطية في بلدٍ يُستقوى فيه بالقبيلة، أو الجهوية أو بالعسكري لهزيمة السياسي. فالديمقراطية التي تُقام بلا دولة قانون، لا تنتج حكمًا مدنيًا، بل تتحوّل إلى صراع أغلبيات قبلية، أو أقليات جهوية أو إلى واجهة مدنية لحرب أهلية مؤجَّلة.
بناءً على ما ذكر أعلاه أطرح بعض الموجهات لبناء الدولة السودانية بعد الحرب: أولاً :الدولة التي ينبغي أن تُبنى في السودان ،لا تبدأ بصناديق الاقتراع، بل بقانونٍ أعلى من الجميع، من الحاكم إلى المحكوم، بلا استثناءات تاريخية، أو ثورية، أو عسكرية. قانون يُحتكم إليه، لا يُلتفّ عليه، ويقوم عليه قضاء صارم ومستقل، يحتكم للضمير الأخلاقي وقيم الامانة، لا يحابي حزبًا، ولا يخاف بندقية، ولا يساوم قبيلة، وجيش يؤدي دوره باحترافية؛ ليس خصمًا للسياسة، ولا وصيًا عليها، لايخضع لوصاية يؤدي دوره بوضوح، يمنع انهيار الدولة، ويحمي الدستور لا الأشخاص أو الأحزاب أو الكيانات ..

ثانياً: أعتقد أن المشكلة في السودان أعمق من شكل الحكم؛ومن يحكم وكيف يحكم؟ أزمة السودان،أزمة ثقافة سياسية. نحن نفتقر لثقافة المؤسسات، نُربّي أبناءنا على الانتماء قبل المواطنة، وعلى البحث عن وسيط لا عن حق، وعلى الاحتماء بالجماعة والقبيلة والكيان، لا بالعدالة.نلجأ إلى القانون عندما يقع الظلم علينا، ونبتعد عنه عندما يكون الحق معنا.بينما جوهر دولة القانون هو أن ننتصر له عندما يكون ضدنا.

ثالثاً: اؤمن أن أحد أسباب عجز النخب السودانية هو غياب مشروع فكري ومنهجي واضح منذ الاستقلال حيث ارتبطت النخب السودانية، في فترات كثيرة، بتيارات سياسية وفكرية متعدّدة ومتناقضة لذلك لم تنجح في الاتفاق على رؤية وطنية مشتركة تراعي التنوع الثقافي و التعدد العرقي والجهوي في البلاد. فازدادت الانقسامات، وضعفت مشروعيتها أمام قواعدها الشعبية.

رابعاً: شهد السودان سلسلة من الانقلابات العسكرية ما قبل عام 1958 وحتى 1989، ما جعل المؤسسة العسكرية طرفًا سياسيًا دائمًا في الحكم. ومع الوقت أصبح الجيش ،هو الخيار العملي لحسم الأزمات.وفي ظل غياب مؤسسات قوية يُحتكم إليها: (قضاء مستقل،أحزاب راسخة وأجهزة رقابية فعّالة)..وصار ينظر بعض الناس (ربما بدافع الإحباط) إلى الجيش أو المليشيات والجيوش المتحالفة مع الدولة،كقوة قادرة على فرض النظام بالسلاح، ليس لأن هذا هو الخيار الصحيح، بل لأن التجارب الديمقراطية فشلت في أداء دورها.

خامساً: لم ترتبط النخب السياسية ارتباطًا حقيقيًا بقاعدة شعبية موحَّدة،ولم تطرح حلولًا عملية تلامس هموم الناس اليومية (الفقر، البطالة، الأمن، والخدمات.) فبدت ضعيفة أمام القادة العسكريين أو الجماعات المسلحة، الذين استغلوا الفراغ السياسي والإحباط الشعبي . لذلك (من وجهة نظري) لا ديمقراطية بلا دولة قانون، ولا دولة قانون بلا قضاء مؤمن بالعدالة، مستقل في قراره وإرادته، ولا توجد سياسة مدنية بلا جيش محترف يعرف حدوده.

لا يحتاج السودان إلى شعارات، بل يحتاج اتفاقًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: أن يكون القانون هو الحكم الأخير…على الجميع، ودون استثناء.

** صحفي وأكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى