رأي
التعاون المصري–السوداني في قطاع المياه: ركيزة استراتيجية لتعافي ما بعد الحرب

د. عمار أبكر عبد الله **
يأتي هذا المقال استنادًا إلى البيان الرسمي الصادر عن المتحدث الرسمي لوزارة الموارد المائية والري بجمهورية مصر العربية بتاريخ الأمس (13 فبراير 2026)، والذي أعلن عن عقد اجتماع تنسيقي بين الجانبين المصري والسوداني، وبالتنسيق مع وزارة الإسكان المصرية وهيئة مياه الشرب السودانية، لمناقشة إعداد مذكرة تفاهم مشتركة للتعاون في مجالات الموارد المائية والري ومياه الشرب والصرف الصحي.
وأوضح البيان أن الاجتماع ركّز على تعزيز التعاون الثنائي وبناء القدرات، من خلال إنشاء مدرسة فنية للتدريب المهني بالسودان، ودعم التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية، وإعادة تأهيل المعامل الفنية، مع التوافق على تحديث بنود مذكرة التفاهم بما يتماشى مع احتياجات الجانب السوداني، ومواصلة التنسيق الفني بين الجانبين، خاصة في مجالات التشغيل والإدارة والصيانة، بما في ذلك إعادة تأهيل المعمل المركزي بمنطقة المقرن.
سياق ما بعد الحرب وأولوية قطاع المياه:
تكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية في ظل التحديات العميقة التي يواجهها السودان خلال مرحلة ما بعد الحرب، حيث يُعد قطاع المياه والصرف الصحي من أكثر القطاعات تضررًا، وأكثرها ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. فالمياه ليست مجرد خدمة أساسية، بل تمثل مدخلًا رئيسيًا لإعادة بناء الثقة، وعودة الاستقرار، وتحقيق التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
وقد أظهرت تقارير رسمية صادرة خلال الأعوام 2023–2024 عن منظمات دولية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) و منظمة الصحة العالمية، تدهورًا واسع النطاق في خدمات إمداد المياه والصرف الصحي في السودان، نتيجة تدمير البنية التحتية، وتوقف عدد كبير من محطات المياه، وضعف القدرات التشغيلية والفنية للمؤسسات الخدمية، لا سيما في المدن والمناطق المتأثرة بالنزاع، مع ازدياد الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة وارتفاع مخاطر الأمراض المنقولة عبر المياه.
مذكرة التفاهم .. من التنسيق إلى التعافي المؤسسي؛
يشكّل التوجه نحو إعداد تجديد مذكرة التفاهم بين مصر والسودان خطوة إيجابية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي المؤسسي المستدام. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إعادة تأهيل المنشآت المتضررة، بل في إعادة بناء القدرات البشرية والمؤسساتية، وضمان استمرارية التشغيل والصيانة، وتحسين الحوكمة والإدارة في قطاع المياه.
ويمثل التركيز الوارد في البيان الرسمي على التدريب المهني، والتحول الرقمي، وتحديث البنية التحتية، وإعادة تأهيل المعامل الفنية، مدخلًا واقعيًا لمعالجة الاختناقات الهيكلية التي يعاني منها قطاع المياه في السودان، خاصة في ظل محدودية الموارد وارتفاع الاحتياجات.
تعظيم استفادة السودان من الدعم المصري:
لتحقيق أقصى فائدة من هذا التعاون، تبرز أهمية أن يُدار ضمن رؤية قومية سودانية واضحة، توازن بين الاستفادة من الدعم الفني المصري وتوطين الخبرة داخل المؤسسات القومية. ويشمل ذلك:
•التركيز على بناء القدرات المؤسسية بدل الاكتفاء بالمشروعات قصيرة الأجل.
•ربط أي دعم فني أو تدريبي ببرامج واضحة لـ نقل المعرفة وتوطين الخبرة داخل المؤسسات السودانية.
•الاستفادة من الخبرات المصرية في مجالات التشغيل والإدارة والصيانة والتحول الرقمي.
•تمكين المؤسسات السودانية من الإدارة الذاتية المستدامة وتقليل الاعتماد المستقبلي على الدعم الخارجي.
الخبرة السودانية المتراكمة ومشروع جايكا:
إلى جانب التعاون الإقليمي، يمتلك السودان رصيدًا مهمًا من الخبرات القومية المتراكمة في قطاع المياه، يمكن البناء عليه في مرحلة التعافي إذا ما أُعيد استدعاؤه وتحديثه بصورة منهجية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مشروع تعزيز الإدارة المتكاملة للموارد المائية التابع لـ الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (جايكا) في السودان، والذي ركّز على دعم تطوير استراتيجيات فعّالة لإدارة المياه وتعزيز التخطيط المتكامل بين القطاعات والمؤسسات المعنية. وقد نُفذت مراحل المشروع المختلفة .. بما في ذلك التقييم المائي الشامل، وإعداد الخطط العملية، وبناء القدرات المؤسسية .. خلال الفترة 2016–2018 وما بعدها.
إن إعادة استدعاء مخرجات هذا المشروع وتحديثها بما يتلاءم مع الواقع الراهن تمثّل فرصة حقيقية للانطلاق من معرفة وخبرة قومية متراكمة، وتجنّب تكرار الجهود، وربط التعاون الحالي بأطر تخطيطية سبق اختبارها.
برنامج «زيرو عطش» .. خبرة قومية قابلة للبناء:
وفي السياق ذاته، شكّل برنامج «زيرو عطش» الذي نفذته وحدة تنفيذ السدود السودانية نقطة قومية مهمة استهدفت تحسين الوصول إلى مياه الشرب في المناطق الريفية والهشّة، عبر حفر الآبار، وإنشاء مصادر مياه مستدامة، وتعزيز الشراكات مع المجتمعات المحلية. وتمثل دروس هذا البرنامج .. خاصة في التنفيذ الميداني، وإدارة المشروعات، والتنسيق مع الولايات .. رصيدًا عمليًا يمكن توظيفه اليوم ضمن أي تعاون ثنائي أو دولي، مع ضرورة تحديث آلياته وربطه بإطار قومي موحّد للإمداد المائي.
الإمداد المائي الحضري والريفي .. شرط للاستقرار:
يمثل الإمداد المائي الحضري والريفي أحد أكثر الملفات إلحاحًا في السودان، نظرًا لارتباطه المباشر بالصحة العامة، والاستقرار الاجتماعي، وعودة النشاط الاقتصادي، لا سيما في المدن المتأثرة بالحرب والنزاع والمجتمعات الريفية الهشّة.
ومن هنا، يصبح من الأهمية بمكان أن يكون الجانب السوداني مستعدًا مؤسسيًا على المستويين الاتحادي والولائي، لضمان:
•وضوح الأدوار والمسؤوليات بين المؤسسات الاتحادية والولائية والمحلية.
•جاهزية الهياكل التنظيمية للتخطيط والتنفيذ والتشغيل والصيانة.
•التكامل بين إمدادات المياه الحضرية والريفية ضمن رؤية قومية واحدة.
•القدرة على استيعاب الدعم الفني والمالي الخارجي وتحويله إلى نتائج مستدامة.
إن غياب هذا الاستعداد المؤسسي قد يحدّ من أثر أي دعم أو تعاون، مهما بلغت جودته، بينما يضمن الاستعداد الجيد تعظيم الفائدة وتحقيق انتقال فعلي من مرحلة الطوارئ إلى التعافي المستدام.
الصرف الصحي .. الحلقة الغائبة في معادلة التعافي:
لا يكتمل أي حديث عن الأمن المائي دون إعطاء الصرف الصحي ما يستحقه من أولوية. فضعف أو غياب خدمات الصرف الصحي لا يهدد الصحة العامة فحسب، بل ينعكس مباشرة على جودة مصادر المياه، ويضاعف الأعباء الصحية والبيئية والاقتصادية، ويقوّض جهود إعادة الإعمار. وعليه، فإن إدماج الصرف الصحي ضمن خطط إعادة الإعمار، والتعامل معه كقضية صحة عامة وأمن بيئي، يمثل استثمارًا طويل الأجل في استقرار المدن وحماية الموارد المائية.
توصيات في ضوء إعداد مذكرة التفاهم:
استنادًا إلى البيان الرسمي الصادر في 13 فبراير 2026، تبرز الحاجة إلى أن تُرفق مذكرة التفاهم المزمع إعدادها بـ خطة عمل تنفيذية متكاملة، واضحة المعالم ومحددة التوقيتات، تتضمن أولويات التدخل، والجهات المسؤولة، ومؤشرات الأداء، وآليات المتابعة والتقييم.
خلاصة:
إن ما ورد في البيان الرسمي لوزارة الموارد المائية والري المصرية بتاريخ 13 فبراير 2026 يعكس فرصة حقيقية لتأسيس شراكة استراتيجية بين مصر والسودان في قطاع المياه، يمكن أن تسهم بفاعلية في دعم تعافي السودان بعد الحرب. غير أن نجاح هذه الشراكة سيظل مرهونًا بقدرتها على التحول من بيانات ونوايا إلى خطط تنفيذية واضحة، ونتائج ملموسة، وأثر مستدام في حياة المواطنين، وصحة المجتمع، واستقرار الدولة.
** باحث في مجال الإدارة المتكاملة للموارد المائية
المنسق القومي السابق لـ الشراكة السودانية للمياه – إقليم شرق أفريقيا – الشراكة العالمية للمياه (استكهولم/السويد)



