رأي

البوصلة الذهبية: هندسة التحالفات الكبرى في فضاء السودان الجيوإقتصادي

 

​ الدكتور محمد عوض محمد متولي

​في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، لم يعد الاقتصاد السوداني يحتمل سياسات “المسكنات” أو الرهان على الهبات المشروطة؛ بل بات لزاماً عليه أن يضبط بوصلته الذهبية نحو مراكز الثقل العالمي التي تعيد تشكيل نظام القوة اليوم. إن انتقال السودان من “دولة الموارد الخام” إلى “دولة الشراكات الاستراتيجية” ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو عملية هندسة جيواقتصادية دقيقة تهدف إلى تسييل المزايا الجغرافية والمادية وتحويلها إلى أوراق ضغط ومصالح متبادلة مع قوى إقليمية ودولية صاعدة. إن فلسفة “السيادة بالتشبيك” تقتضي ألا ننظر إلى الشركاء كممولين، بل كأطراف في معادلة نمو شاملة، ليتحول السودان من “منطقة صراع” إلى “نقطة ارتكاز” لا غنى عنها في استقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

​ أولاً: التحليل الجيوسياسي والاقتصادي لشركاء التنمية:

هنالك طائفة من الدول الشقيقة والصديقة، يمكن أن يبني السودان معها شراكات متنوعة للنهوض الاقتصادي، وسأشير هنا لها بإيجاز واحدة تلو الأخرى:

السعودية:

​تمثل المملكة العربية السعودية الشريك الاقتصادي الطبيعي الأقرب بحكم الجغرافيا وأمن البحر الأحمر. و تكمن الاستراتيجية في تحويل السودان إلى “سلة غذاء” ضمن رؤية 2030م عبر إنشاء مناطق صناعية زراعية مشتركة تعتمد على التمويل السعودي والتقنيات الحديثة لتحقيق السيادة الغذائية للطرفين.

​دولة قطر:

التركيز مع الدوحة يجب أن ينصبّ على تطوير الموانئ والربط السككي والاستثمارات العقارية والسياحية الكبرى، بناءً على أساس “تنمية الممرات التجارية” التي تربط قلب أفريقيا بالعالم.

​جمهورية الصين الشعبية:

التوجه نحو الصين يجب أن يركز على مبادرة “الحزام والطريق” لتوطين الصناعات التحويلية ونقل التكنولوجيا في الطاقة المتجددة واستخراج المعادن النادرة مقابل ضمانات تدفق الموارد.

​روسيا الاتحادية:

الانتقال مع موسكو من خانة “الاستخراج والتصدير” إلى “بناء الصناعات الاستخراجية المتقدمة” وإنشاء مراكز تكرير ومعالجة داخل السودان لرفع القيمة المضافة.

​الجمهورية التركية:

الاستفادة من النموذج التركي في إعادة إعمار المناطق المتأثرة والنهضة العمرانية، وتطوير قطاع المنسوجات والجلود كجسر فني للمنتجات السودانية.

​كوريا الجنوبية والنمور الآسيوية:

تمثل كوريا والنمور الآسيوية “سنغافورة، ماليزيا، فيتنام” النموذج الأمثل للمحاكاة. الشراكة هنا يجب أن تكون “معرفية” تركز على بناء الحكومة الإلكترونية، والري الذكي، واستقطاب الشركات العملاقة لإنشاء مراكز تجميع إقليمية تجعل من السودان بوابة تقنية للقارة.

​ ثانياً: التوصيات المنهجية العلمية:
​1. تأسيس “المفوضية العليا للشراكات الاستراتيجية”:
​الجهة المنفذة: رئاسة المجلس السيادي/ مجلس الوزراء.
​كيفية التنفيذ: جسم سيادي يضم خبراء اقتصاديين وقانونيين لتوحيد ملفات التفاوض مع الدول الست والنمور الآسيوية بعيداً عن تضارب المهام الوزارية.

​2. صياغة “قانون الاستثمار السيادي العابر للحدود”:
​الجهة المنفذة: البرلمان/ وزارة العدل بالتعاون مع وزارة الاستثمار.
​كيفية التنفيذ: تشريع يمنح حصانة قانونية وضريبية للمشاريع الكبرى المتفق عليها دولياً، ويمنع المساس بها عند تغير الحكومات.

​3. إنشاء “بنك المعلومات الجيواقتصادي”:
​الجهة المنفذة: وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بالتعاون مع المركز القومي للمعلومات.
​كيفية التنفيذ: قاعدة بيانات رقمية شاملة للموارد (أراضي، معادن، طاقة) تقدم كحزم استثمارية جاهزة (Bankable Projects) للشركاء الدوليين.

​4. تدشين “صندوق السيادة الوطني المشترك”:
​الجهة المنفذة: وزارة المالية بالتعاون مع الصناديق السيادية للدول الشريكة.
​كيفية التنفيذ: مساهمة السودان بالأصول والموارد مقابل مساهمة الشركاء برؤوس الأموال، ويدار بعقلية القطاع الخاص.

​5. برنامج “توطين المعرفة والتقانة الآسيوية”:
​الجهة المنفذة: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
​كيفية التنفيذ: ابتعاث 5000 طالب سنوياً لدول النمور الآسيوية وكوريا الجنوبية للتخصص في الصناعات الدقيقة وإدارة المناطق الحرة.

​6. تطوير “الممر اللوجستي القاري”:
​الجهة المنفذة: وزارة النقل والبنى التحتية بالتعاون مع الاستثمار القطري والصيني.
​كيفية التنفيذ: ربط موانئ البحر الأحمر بالحدود الغربية والجنوبية عبر شبكة سكك حديدية حديثة لتفعيل دور السودان كدولة معبر.

​7. تفعيل “دبلوماسية التخصص الاقتصادي”:
​الجهة المنفذة: وزارة الخارجية.
​كيفية التنفيذ: تعيين ملحقين اقتصاديين في عواصم الدول الست من ذوي الخلفيات التجارية وليس الدبلوماسية فقط، لمتابعة التنفيذ اليومي للاتفاقيات.

​8. إنشاء “المناطق الاقتصادية الخاصة التخصصية”:
​الجهة المنفذة: هيئة المناطق الحرة.
​كيفية التنفيذ: تخصيص منطقة للصناعات الصينية، وأخرى للتصنيع الغذائي السعودي، وثالثة للتقنية الكورية، بمواصفات إدارية دولية.

​9. التحول نحو “الزراعة الذكية والمستدامة”:
​الجهة المنفذة: وزارة الزراعة والغابات.
​كيفية التنفيذ: تطبيق تقنيات الري والإنتاج الكورية والماليزية في المشاريع القومية لرفع الإنتاجية الرأسية.

​10. نظام “المقايضة الاستراتيجية للموارد”:
​الجهة المنفذة: بنك السودان المركزي بالتعاون مع وزارة المعادن والنفط.
​كيفية التنفيذ: مبادلة امتيازات استخراج الموارد ببناء بنية تحتية صلبة (طاقة، طرق، جسور) لتقليل الحاجة للديون النقدية.

​ ثالثاً: الجدول الزمني المقترح للتنفيذ:

​1. المدى القصير (من 6 أشهر إلى سنة):
​إصدار قانون الاستثمار السيادي الجديد.
​تشكيل المفوضية العليا للشراكات الاستراتيجية.
​عقد “مؤتمر الشركاء الستة والنمور الآسيوية” بالخرطوم لطرح الحزم الاستثمارية الجاهزة.

​2. المدى المتوسط (من 2 إلى 5 سنوات):
​بدء تشغيل المناطق الاقتصادية الخاصة (الصينية، التركية، السعودية).
​اكتمال المرحلة الأولى من ربط السكك الحديدية والموانئ.
​توطين أولى مصانع التجميع التقنية (بالتعاون مع كوريا الجنوبية والنمور الآسيوية).

​3. المدى البعيد (من 5 إلى 10 سنوات):
​تحقيق الاكتفاء الذاتي والتصدير الإقليمي عبر الصناعات التحويلية.
​تحول السودان إلى مركز مالي ولوجستي رائد في أفريقيا.
​جني ثمار البرنامج المعرفي بعودة الكوادر المبتعثة لقيادة المؤسسات الاقتصادية.

​ خاتمة استشرافية … سودان 2035م:

​إذا ما نجحت الدولة في تطبيق هذه التوصيات، فإننا أمام ولادة “النمر الأفريقي الجديد”. بحلول عام 2035م، سيتحول السودان من “منطقة صراع” إلى “منصة لوجستية وصناعية كبرى” تربط سلاسل الإمداد العالمية بقلب القارة السمراء. إن العبور نحو هذا المستقبل يتطلب إرادة سياسية تكنوقراطية تؤمن بأن القوة في عالم اليوم لا تُبنى بالعزلة، بل بذكاء التحالفات وقوة الاندماج في الاقتصاد العالمي. لقد حان الوقت ليغادر السودان مقاعد الانتظار، ويحتل مكانه الطبيعي كقاطرة للتنمية في قلب العالم.

 

** خبير اقتصادي مشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى