الفن و السلام

في عام 1990 م زار الفنان الكبير محمد وردي جنوب السودان و أقام حفلاً كبير لجنود الحركة الشعبية و اللاجئين في معسكر أتيانق الذي كان يقوده السيد تعبان دينق نائب رئيس جنوب السوداني الحالي.
قدر الحضور ب 300 ألف و لعله الرقم مبالغ فيه و لكنه مؤشر للعدد الكبير للحضور .
حدثني الدكتور رياك مشار أنه قال للدكتور قرنق عندما شاهد التفاعل مع المطرب (محمد وردي: دا لو إنضم للحركة فسيصبح قائدها)
رغم ذلك لم يكن محمد وردي الفنان المفضل في الجنوب و حتي تعبان دينق الذي نظم الحفل و نال تقديرا من القيادة لحسن ما قام به كان معجبا بالفنان محمد الأمين و ذلك بتأثير من بناته و كان بطلب مني كثيراً تسجيلات له .
الفنان الأول عند قادة الحركة الشعبية و بتأثيرهم عند القواعد هو الفنان صلاح بن البادية رغم صعوبة كلمات أغانيه على مَن لم تكن العربية لسانه الأم .
الأعجاب بصلاح بن البادية كان بتأثير من العميد أروك طون أروك الذي كان شديد الأعجاب به لدرجة أن سمي إبنته الكبري (مي) علي أغنية إبن البادية رغم كلماتها العصية و منها (الحب لو بلغ المدي كشفته عين المبصر) ..
مي التي سميت علي الأغنية تزوجها و تعيش معه حاليا رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت .
عقب توقيع إتفاقية الخرطوم للسلام بقاعة الصداقة و بعد المؤتمر الصحفي تجمع القادة في بيت الضيافة بشارع الجامعة الذي كان يقيم فيه الدكتور رياك مشار .
ذاك اليوم إقترحت عليهم أن ننظم سهرة تلفزيونية يتحدثون فيها عن الذكريات و الجوانب الإنسانية و الطرائف بعيداً عن الحرب و السياسة.
هتف العميد أروك بقوله (ياسلام و أنا فناني المفضل صلاح بن البادية) .
إتصلت بالأستاذ حسن فضل المولي الذي أعجب و تشجع للفكرة و قال لي بعد الغد نسجلها و قلت أننا نريد الفنان بن البادية ضيفا فوافق و يوم التسجيل أرسل له و فرقته سيارة أقلتهم للتلفزيون .
بدأت السهرة بعناق حميم بين ابن البادية و القادة و في طلبات للأغاني قال رياك مشار أنه يريد سماع أغنية (فات الأوان و يهديها لجون قرنق طالباً منه أن يأتي و ينضم للسلام قبل فوات الأوان)
اللواء كاربينو كوانين كان خياره أغنية السيرة (عريسنا حالف يدبح تور) لأن ذلك من عادات قبيلة الدينكا.
لاحقا و عندما تمرد كاربينو علق أروك طون بأن كاربينو (حالف يدبح زول) وكتب البروفيسور عبد اللطيف البوني مقالا رائعا جعل عنوانه (كاربيو حالف يدبح زول).
اختار العميد أروك طون أغنية (الأوصفوك) موضحا أن المطربين بن البادية و خصر بشير يغنيانها بذات المستوي .
بعدها إلتقيت مصادفة بالرئيس البشير و قال أنه يسمع الأغنية من الفنانين و يطرب لها و لم ينتبه إلى أن من يغنيها مطربان مختلفان.
يطرب أبناء جنوب السودان لأغاني شمالية عديدة رغم صعوبة بعضها علي من ليست العربية لسانه الأم و هنالك الكثير من الأمثلة منها التغني بأغاني الطنبور مع صعوبة لهجة الشايقية و برز منهم شول مانوت الذي إشتهر بذلك و توفي بالخرطوم .
إشتهر الفنان أنجلو أضوك بأغاني الكابلي حتي سمي (الكابلي الدينكاوي) و معلوم أن غالب أغنيات الكابلي فصيحة .
غنت أكوات أدينق لخوجلي عثمان و زيدان إبراهيم و محمود عبد العزيز
في المقابل تغنى عدد من المطربين الشماليين للجنوب منهم النور الجيلاني في (المسافر جوبا) و (فيفيان)
وهنالك أغنية مشهورة لعائشة الفلاتية و هي (جوبا مالك علي .. جوبا شلتي عينيا).
أغنيات عديدة ذائعة الصيت تغني بها الناس طويلا و هي للشاعر الدينكاوي عبد المنعم عبد الحي منها (أنا أمدرمان) أحمد المصطفي و (اوراق الخريف) عثمان حسين
و(يا قماري) سيد خليفة
و(جمال دنيانا) إبراهيم عوض .
إجمالا يمكن القول أن الفن لعب دورا كبيرا في العلاقة بين الشمال و الجنوب ليصح بذلك القول بعد الإنفصال أننا (شعب واحد يعيش في دولتين )



