عام الاستدامة المائية في أفريقيا 2026: السياق القاري والدولي وفرصة السودان المؤجلة (1-2)

د. عمار أبكر عبد الله **
لم تعد المياه ملفًا فنيًا أو خدميًا معزولًا، بل أصبحت قضية سيادية ودبلوماسية وتنموية تمسّ جوهر إعادة بناء الدولة، واستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات، والانخراط الذكي في النظامين الأفريقي والدولي. وفي الدول الخارجة من النزاعات، تشكّل المياه أحد أكثر القطاعات قدرة على تحويل الخطاب السياسي إلى أثر تنموي ملموس يربط بين إعادة الإعمار، وبناء السلام، وخلق فرص العمل.
تشير أحدث البيانات الدولية إلى أن أكثر من 2.1 مليار شخص عالميًا يفتقرون إلى مياه شرب مُدارة بأمان، وأن نحو 3.4 مليار شخص لا يحصلون على خدمات صرف صحي مُدارة بأمان، بينما يعاني قرابة 4 مليارات شخص سنويًا من ندرة المياه لفترات متفاوتة. وفي أفريقيا، تتضاعف هذه التحديات بفعل تغيّر المناخ، والنمو السكاني المتسارع، وضعف البنية التحتية، ما يجعل المياه عاملًا حاسمًا في الاستقرار أو الاضطراب.
المياه تعود إلى قلب الأجندة العالمية:
في هذا السياق، أطلقت مجموعة البنك الدولي خطة تنفيذ استراتيجية المياه ضمن مبادرة «Mission Water»، واضعةً المياه في قلب التنمية الاقتصادية وخلق الوظائف وبناء القدرة على الصمود. وتؤكد الاستراتيجية أن القطاعات المعتمدة على المياه توفّر نحو 1.7 مليار وظيفة عالميًا، وأن الاستثمار في المياه لا يخلق وظائف مباشرة فحسب، بل يحمي الوظائف القائمة عبر تقليل المخاطر الصحية والمناخية وتعزيز الإنتاجية الاقتصادية.
إعلان الاتحاد الأفريقي 2026؛ ترقية سياسية للمياه:
وبالتوازي، أعلن الاتحاد الأفريقي خلال دورته العادية التاسعة والثلاثين (فبراير 2026 – أديس أبابا) اعتماد عام 2026 «عام الاستدامة المائية في أفريقيا» تحت شعار:
«ضمان توافر المياه المستدامة وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063».
ويعكس هذا الإعلان الارتقاء بقضايا المياه والصرف الصحي إلى أعلى مستوى سياسي قاري، بوصفها مدخلًا للاستقرار والتنمية والسلام.
السودان: خارج القاعة … لكن ليس خارج الموضوع
يأتي هذا التحول القاري في وقت ما تزال فيه عضوية السودان معلّقة في الاتحاد الأفريقي. غير أن طبيعة المياه كقطاع عابر للحدود والمؤسسات تتيح مسارات للتفاعل الفني والإنساني، حتى في ظل القيود السياسية، وتفتح نافذة استعداد مبكر لمرحلة ما بعد التعليق.
كما أطلق الاتحاد الأفريقي، عبر المجلس الوزاري الأفريقي للمياه (AMCOW)، رؤية وسياسة المياه الأفريقية 2063، المرتكزة على الإدارة المتكاملة للموارد المائية، وتوسيع خدمات WASH، وتعزيز التعاون في الأحواض المشتركة، مع استعداد مؤسسي لدعم الدول في تحويل الالتزامات السياسية إلى برامج تنفيذية.
لكن إعلان الأعوام، وإطلاق المبادرات، لا يصنع أثرًا تلقائيًا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الفرص، بل في كيفية توظيفها دبلوماسيًا ومؤسسيًا داخل الدول الخارجة من النزاعات.
في الجزء الثاني، ننتقل من قراءة السياق القاري والدولي إلى تحليل كيف يمكن للسودان، عبر دبلوماسيته الرسمية وترتيباته المؤسسية، أن يحوّل عام الاستدامة المائية 2026 من لحظة رمزية إلى مسار عملي لإعادة الإعمار وبناء السلام.
** مختص وباحث في الإدارة المتكاملة للموارد المائية



