رأي

بين مطرقة البتكوين وسندان الذهب، أما آن لبنك السودان أن يفكر خارج الصندوق ؟

 

 

د.محمد شرف الدين الطيب

 

 

في عالمٍ تتسارع فيه التحوّلات الاقتصادية، يقف المستثمر حائرًا بين مطرقة البت كوين (Bitcoin) وسندان الذهب. أحدهما رمز الثورة الرقمية والتمرد على النظام المالي التقليدي، والآخر ملاذٌ آمنٌ صمد في وجه الحروب والأزمات والانهيارات عبر آلاف السنين. وبين هذا وذاك، تتشكّل معادلة جديدة للصراع بين الحداثة والجذور، بين الشيفرة والسبائك، فمنذ فجر الحضارات، كان الذهب معيارًا للقيمة ومخزنًا للثروة. لم يكن مجرد معدنٍ نفيس، بل رمزًا للقوة والسيادة والاستقرار, حين تهتز الأسواق، وتتجه الأنظار إليه في أوقات التضخم، الحروب، أو الأزمات المالية و يعود الذهب إلى الواجهة كدرعٍ يحتمي به المستثمرون.

 

إن قيمة الذهب لا تستمد قوتها من خوارزمية، بل من ندرته الطبيعية وثقة البشرية المتراكمة فيه ولا يحتاج إلى كهرباء ليعمل، ولا إلى شبكة إنترنت ليُتداول فوجوده مادي، ملموس، يمكن تخزينه في خزنة كما يمكن نقله عبر الحدود في سبائك صغيرة تختصر ثرواتٍ كبيرة، ومع ذلك فالذهب ليس بلا عيوب فهو أصل جامد، لا يدر عائدًا بحد ذاته، وتتأثر أسعاره بعوامل العرض والطلب والسياسات النقدية. لكنه يظل، في نظر كثيرين، حجر الأساس في أي محفظة استثمارية متزنة.

 

أما عن تمرّد العصر الرقمي فنجد أنه على الضفة الأخرى، ظهرت البتكوين عام 2009 كردّ فعل على الأزمة المالية العالمية حيث جاءت بفلسفة مختلفة، بمعنى أوضح بلا بنوك مركزية أو وسطاء، فهي شبكة تعتمد على تقنية البلوكشين، تتميز بالشفافية والاستقلال عن الأنظمة التقليدية.

 

يري أنصار البتكوين أن فيها “ذهبًا رقميًا” محدود المعروض، مقاومًا للتضخم بحكم سقفه الأقصى البالغ 21 مليون وحدة كما أن تقلباته الحادة يعتبرها البعض ثمنًا طبيعيًا لمرحلة النضج، فيما يراها آخرون مخاطرة لا تناسب أصحاب القلوب الضعيفة فهي سريعة، عابرة وبلا حدود، ويمكن تخزينها في محفظة رقمية صغيرة. لكنها في المقابل عرضة للتقلبات، للتنظيمات الحكومية، ولمخاطر الاختراق أو فقدان المفاتيح الخاصة بالتشفير.

 

والسؤال هنا بين المطرقة والسندان، أيهما يختار المستثمر؟ فالسؤال ليس أيهما أفضل مطلقًا بل أيهما أنسب لظروفك وأهدافك؟ فالباحث عن الاستقرار طويل الأمد قد يميل إلى الذهب أما الباحث عن نمو مرتفع مع تقبل المخاطر قد يختار البتكوين أما المستثمر الحكيم فقد يرى أن التنويع هو الحل وذلك بالجمع بين الأصل التقليدي الذي أثبت صموده، والأصل الرقمي الذي قد يشكّل ملامح المستقبل، فالذهب يمثل الماضي المتين، والبتكوين تمثل المستقبل المتقلب وبينهما يقف الحاضر، يفرض على المستثمر أن يوازن بين الطموح والحذر، بين الجرأة والحكمة.

 

ويمكننا أن نلخص بأن مطرقة البتكوين وسندان الذهب ليستا خصمين بقدر ما هما انعكاس لمرحلتين من تطور مفهوم “القيمة”. الأولى تنبض بروح التقنية واللامركزية، والثانية تستند إلى تاريخ طويل من الثقة والاستقرار.

وفي النهاية، لا المطرقة تحطم السندان، ولا السندان يلغي المطرقة إنما هي معادلة تتطلب وعيًا، قراءة دقيقة للسوق، وفهمًا عميقًا لطبيعة المخاطرة. ففي عالم المال، لا يكفي أن تختار جانبًا بل أن تعرف لماذا اخترته.

 

أما آن للبنك المركزي السوداني أن يفكر خارج الصندوق في ظل التحولات العالمية، فقد يكون التفكير في تنويع الاحتياطيات، وتعزيز الشمول المالي، ودراسة الأصول الرقمية من منظور تنظيمي مدروس، خطوة تستحق البحث والنقاش. فالعالم لا ينتظر المترددين، والاقتصادات التي تواكب التطور هي الأقدر على حماية استقرارها فمن لايتقدم يتقادم.

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى